الشّعرُ فناً

ي بحثه المستمرّ عـن جوهر الأشياء، يبتعد الشاعر عن وصف ما يتأثر به حواليه موغلاً في الكينونَات، ومفـتشًا عن تفسيرٍ للواقعِ في خط سـير موازٍ لعالمه الداخليّ المفكّر والساعي لإيجاد الحلول، فنجد تلك المقاربة بين الواقع وذاته الإنسانية إلى الحد الذي يتم بهِ تعرية الحقيقة وتجريدها من التفاصيل المؤدية إليها، مما يجعل نظره محصورًا إلى داخله، حيث يتكشف له ما لا يكشفه الواقع الحقيقيّ له. بيْدَ أنّ هـذا الابتعاد ينحى بالشعر منحى يخْلقُ بينه وبين الواقعِ فجوة – لغـةً وفكرًا – بالنظر إلى ما يتطلع إليهِ الشّاعر، الأمر الذي وظف الـشعر توظـيفا فـنيا يحيل الشاعر من باحثٍ عما يسد به قلقهُ إزاء ما يحـيط به.. إلى فنان حريٌّ بهِ أن يتـقن صنعته. بين الإنسان الحساسِ تجَاه الظواهر والوقائعِ حدَّ تفسيرها بإنسانيتهِ الخالصةِ المتفاعلة مع الوجـود بأسره.. وبين ما ينتظره الفن الحقيقيّ من الـشّعر.. الفنّ المتجرد من أي غـرض وَهـدف سواه، أَين يقف الـشاعر العـربي الحديث اليوم؟ وأي المفاهيم تلك التي يؤمن بها حول فنية الشعر؟

****

عبداللـه عبيد – شاعر يمني



كثيرا ما ناقش النقد إشكالية جدوى الشعر والشاعر، والتي ستحتاج إن أجبنا عليها منطقا عاليا، بينما نجد أن فكرة الشعر والشاعر لا تخضعان إلى أي منطق أو أي منهج، فالواقعي يختلط بالخياليّ، والخياليّ يفرض نفسه كواقع بديلٍ يقترح الشعرَ كأداة يتلمس بها الحقيقة الشاعر مستعينا بقلبه لا بعقله يرى ما لا يرى، “ويصبح في بعض الأحيان نبيا” كما يقول نيتشه.



إن جدوى الشعر سؤال قديم منذ أفلاطون وحتى يومنا هذا ما زال السؤال يُطرح بصيغ مختلفة، ولكن السؤال الحقيقي هو أنه هل حقا يجب أن نكون هناك جدوى من الشعر? أو وظيفة معينة يجب عليه أن يقدمها? وإن كان كذلك هل لنا أن نسمي الشعر فنا؟ قبل مدة طويلة قال صلاح عبد الصبور: “الفن لا يخدم المجتمع وإنما يخدم الإنسان” والشعر بطبيعته لا يمكن له إلا أن يكون سقوطا عميقا إلى الداخل، أو سقوطا “جوانيا” كما يصطلح النقد الحديث.



ثم ما هو الواقع الذي يجب أن يتحدث عنه الشاعر؟ القضايا الإجتماعية.. القضايا الأخلاقية.. السياسية.. إلخ.. هذا كله كما أعتقد لا يمكن أن يكون داخل فضاء الشعر وربما قد يكون في بعض الحالات الشعرية المتقدمة نقطة اتصال موفقة بين الخارجي والداخلي، وهذا ما يفتقده الشعر العربي في هذه اللحظة الراهنة أو بمعنى آخر.. غياب التجارب التي يمكن لها أن تفعل ذلك.



ثم إن الحديث عن الشاعر العربي باعتباره صاحب خصوصية أراه أمرا غريبا، فلا يمكن في هذه اللحظة التاريخية أن يعبر الشاعر بتلك الخصوصية التي كانت في فترة متقدمة من التاريخ العربي سمة لا يمكن إنكارها. يجب أن تكون الذات الشاعرة “كوزموبوليتية” هذا إن أرادت أن تضع لنفسها مكانا لائقا في ذاكرة التاريخ، وإن كانت هناك من إشكالية أخرى حول فنية الشعر أعتقد أن الهوس بكسر النسق وهدم كل الفضائل القديمة وابتداع فضائل جديدة هذا ما سيجعل الحالة الشعرية في المنطقة العربية متقدمة على ما هي عليه الآن.



****



د. فاطمة الشيدية – شاعرة وناقدة عمانية



هل الشعر للشعر بعذوبته وتحليقاته وغياباته وشروده، بأوهامه المستقاة من الوجع والألم والغياب والجزع الذاتي؟ أم الشعر للحياة بكل تجلياتها وصلف حضورها، بمشكلاتها اليومية، ووقائعها المؤلمة، وحذافيرها المتشظية، وقضاياها العالقة في يد الساسة، وحذلقة المتثاقفين والمتفيقهين؟



هذا سؤال عتيق، عتّقه الزمن، واربكته التجربة، فحين كان الشعر وسيلة الإعلام والإخبار، كان الشعر سيد الموقف الحياتي والإنساني والواقعي، وبالتالي كان ابن المنبر الكلامي، ولكنه تجمّد حتى جف فانكسر، والشعر شعور، وعود أخضر ولحن طروب تتثنى على مسمعه الأبدان والأذهان والأرواح.



ثم لاحقا حين غابت القضايا وحلّق الشعر بأجنحة الفراشات والعصافير والأوهام، ووقف حزينا عند الأخوار الجافة والأرواح اليتيمة والمتيّمة كمالك الحزين، وزقزق كعصفور هجر الغابة، وضاع في الضياع، كان الشعر وحيدا، وكان بعيدا وكانت الحياة تكبر بعيدا عنه، وظل هو طفلا ساذجا يحتاج إلى جانب براءته ولثغته الطروب للقليل من الحنكة والتأمل والحضور في عصب الوجود ومشكلات البشرية، التي تستيقظ في مستنقعات الوجع والقمع والقهر والجوع والحروب كل يوم، وتسقط في مغبات الألم والأنين كل لحظة، لذا كان يحتاج أن يغتسل بدمعة أم فقدت وليدها، وأن يسكن في قلب طفل يتيم، وأن يصبح عكازا لرجل أعجزه المرض، أو أكلت الحرب ساقه، ويحتاج أن يغنّي للحيارى والحزانى والمقهورين والمسجونين، يحتاج أن يبكي ليغتسل من استعلائه، وأن يسكن في قلب الألم لترفرف جناحاه لاحقا بحرية.



ولذا يمكننا أن نقول خارج هذا السؤال العتيق أن الشعر الحقيقي هو الإنسان، هو تلك الصرخة الرافضة للقهر والظلم والوجع، هو نداءات الحرية والعدالة والمساواة ولكنها صرخة مغموسة في أنهار البلاغة، متجمّلة بحلو العبارة، ورقة الكلمة، ووهج العاطفة والإحساس، متبرجة بالتأمل في القصي والعميق من الروح والوجود، متبهرجة بالألم والأمل معا.



ولذا فهو لا ينظّر له، ولا يخطط له، ولا يُعلّم، إنه يحضر كالإلهام والوحي مكتملا جميلا، صادقا وفنيا، محلّقا وإنسانيا، إنه يأتي هكذا بعفوية الفرح والحزن شعرا، كما يولد الكائن الشاعر شاعرا، وكم من مدعٍ له وليس فيه، وكم من متطاولٍ به وهو منه براء، الكلمة روح، وروح الكلمة الشاعرة تلمس الكون والناس فيقال “الله هذا هو الشعر”، هكذا .. وهكذا فقط هو الشعر.



****



محمد الضبع – شاعر يمني



لا أظن ابتداءً أن التفكير بوجود خطين متوازيين سيقودنا إلى أيّ مكان. هو مضلّل لأنه يقترح تخالفاً لا وجود له. الواقع ما هو إلا عبارة عن أداء متقن لمسرحيّة الكينونة التي كتبت وما زالت تكتب منذ الأزل, بإمكان الشاعر أن يصل إلى أشد أعماق ذاته ظلمةً وأن يكشف عن المسافات التي تفصله عن الموجودات من حوله وهو يستحضر في نفس اللحظة الغريب صاحب الملابس الرثّة الذي رآه صباحاً وجلس بجانبه منتظراً ولم يلتفت أحدهما للآخر. عابران في اليوميّ والعادي وعابران أيضاً في الجوهريّ المتسائِل عن الجدوى والمعنى والمصادفة والاحتمالات!



الدرب واحد لا يتغير, ولكننا نراه أحياناً بعين فاحصة النظر تتلهف للكشف والرؤية, وأحياناً أخرى بعينٍ مرهقة غائمة تبتسم بهدوء للجمال المؤقت وتراقب أفوله وغيابه دون حزن أو ندم.



هذه العلاقة بين الواقع/ القشرة والكنه/ اللب هي علاقة مد وجزر حيّة لا تموت, تتجدد وتختلف باختلاف روح الشاعر ولغته ومكانه من التجربة ورغبته في الطفو أو الغوص, رغبته في القبض على الطريدة أو إخافتها فقط.



****



د. طالب بن أحمد المعمري – باحث عماني



عالم الغواية؛ هو الشعر، عالم بعيد عن تمظهر الحياة إنه هناك حيث تسكن الروح ملكوت اللاوعي وحين تمتحن قدرتها على الاكتشاف حيث التربع على عرش الانفصال أو الالتحام بالحياة في آن، وحيث انقسام النفس بين الحقيقة والخيال عند نقطة الحلم الواعي كأحلام اليقظة، كأول بديات الدخول في بوابات النوم عند لحظة التواجد والانتشاء حينها يكون الشطح / الشعر هو الذات دون أن تسيطر عليها غوايات الواقع أو ميول النفس حينها تكون لذة الشعر بنكهة الفن الخالص البعيد عن تجاذبات الإيدولوجيا أو نوازع النفس.



وهل هناك شعر بلا رواسب من ذات أو لواحق من ميول؟ أوَ اكتفى الشعراء منذ الأمد بفنية الشعر وتباعدوا عن جمالياته؟ أم غرقوا في الجماليات وتلاشت عنهم فنون الشعر وآساليبه؟ أم استطاعوا أن يمازجوا بين الاثنين ويراوحوا بين السبيلين؟



هواجس ما زالت تعصف بربيع الشعر عند كثير من قارئيه فتباينت الآراء واختلفت الاتجاهات والشعر بين أعاصير النقاد ثابت ثبوت الجبال الرواسي التي لا تؤثر في حجمها عوامل التعرية إلا كما تؤثر الحقنة في جسد الآدمي ليس ثمة وخزات سرعان ما تنجلي وتزول.



الشاعر الحقيقي هو الذي لا يعرف للشعر مقدمات هو الذي يعاني الشعر كمعانات الميلاد كمخاض جديد هو لا يفكر مسبقا في وقائع القصيدة قبل خروجها لأنها في ظلمات ثلاث إنه الشعر الذي يمتلئ بحيوية الفن فيأتي خلسة ويتسلل من بين جنبات الشاعر إلى لسانه حينها يتولد الشعور باللذة من رؤية مولود جديد.



إذا ما تدخلت الأيادي في ذلك المولود قبل ولادته تشوهه لأن سيطرة العبث الإيديولوجي ستحيله إلى شبح مخيف سيخضع إلى عملية قيصيرة من أجل تغيير هويته وتشويه ذاته وحينها يصبح ليس هو ولا ينتسب إلى أبيه تحول إلى خطاب يائس يمتحن التأثير ويتغيا التغيير ويهدف إلى التبعية.



والشاعر العربي منذ ميلاده هو بين الأمرين إلا أن عبثية السيطرة الخارجية أثرت عليه ولا شك إذ وضعه القاسي بين أحضان الصحراء ونظامه الصارم بين ربوع القبيلة جعله يسخر الشعر في سبيل نصرة المبادئ الجماعية والوقوف وراءها متناسيا نفسه وأحيانا فنية شعره فعليه أن يتبع نظاما صارما حتى في أدائه وأفكاره ولكنه أيضا ظل الشعر على لسانه فطريا يداعب المشاعر ويؤثر في النفوس.



والعربي اليوم فتحت له أبواب الدنيا فرأى وسمع وشاهد وتذوق لكنه رغم ذلك تحول من إيديولوجيا الداخل إلى إيديولوجيا الخارج ليس ثمة ما يمكن أن نسميه إبداعا اليوم أو فنية محضة –من وجهة نظري- هناك من سيطر عليه أسلوب شاعر عالمي فتغنى كما فعل الأول إنني لا أومن بالشعر من حنجرة التقليد والاجترار إنني أقدسه عندما ينبع من عين الذات المتفردة.



لم تزل الإيديولوجيا تقتحم عالم الشاعر العربي بين عشق لماضٍ وهيام بجديد في صراع تليد بين الأصالة والمعاصرة جف ماء الشعر بينهما والتهمته حمى المحاكاة المحضة فذبل وجهه وغابت عنه لمسات الفن الشعري الأصيل لأنه ليس من مكنون الشعر الناتج عن هيمنة الإبداع بل عن هيمنة سلوك الطريق الذي شقه الآخرون إنني لا أومن بالشعر السهل الذي ينبعث من تجارب سابقة.



ولو رجعنا إلى الوراء قليلا لتحسس مواطن الجمال عند الشاعر العربي وإن لم يكن مدركا بأنه يبشر بأنموذج الشعر الحديث في تطور فنيته حتى عند أولئك الذين تقيدوا بموسيقى الشعر العربي كأبي تمام والمتنبي وبشار وعند بعض المتصوفة كالنفري الذي كانت نصوصه النثرية إيذانا أولي بقصيدة النثر التي ربما لم يستطع كثير من شعرائها اليوم الوصول إلى قالب النفري الفني.



لاشك أن كلامي السابق ليس نفيا لوجود شعراء استطاعوا أن يصلوا على عتبات الشعر الخالد لهم فنهم الذي استطاعوا من خلاله رسم معالم فن شعري جديد من خلال الرمز والقناع والتماهي مع النصوص والشخصيات وتمازج الفنون وتلاقي التجارب أن ينحتوا شعرا يرتكز على معطيات الفن الشعري الغائر في التجريد والمتشبث بالغموض الفني والموسيقى الفكرية العميقة دون الالتفات إلى اتجاه الشعر وجمال موضوعه.



ولكن وحتى لا أحيد عن الموضوعية لا يمكن في تصوري التفلت من رقبة الواقع أو تأثير الإيديولوجيا أو معاناة الميول غير أن ذلك لا ينقص من الشعر إذا أنشئ بنيانه على أساس متين من العناصر الفنية القادرة على إبراز النص في صورته الشعرية الحقيقية فالشعر فن قبل أن يكون موضوعا فليس لنا أن نصرفه عن ركوب راحلته الأبدية التي يجب أن يمتطيها.



في اعتقادي بأن الشاعر العربي اليوم أكثر وعيا بأهمية فنية الشعر وأقل تطبيقا في ذلك، ومن وجهة نظري أن الشاعر العربي أضحى بين أنياب الإيدولوجيات التي تناوبت عليه وحتى أكبر الشعراء نراهم يميلون شرقا مرة وغربا أخرى ولذلك عند دراسة شعرهم نجده يتأرجح بين عمق وضحاله وفق مسلكهم.



أنا لست ضد أي موقف يتخذه الشاعر ولكنني ضد أن يكون الشعر مطية الإيدولوجيا وأنا على يقين بأنه لا بد من تأثير وتأثر ولكن أيضا ليس على حساب رونق الشعر ومائه وبهائه وحليته وزينته.



إن الشعر كالمرأة زينتها مرتبطة بكيانها هكذا الشعر فن العمق فن الكشف فن التعمية فن الغوص فن الابتعاد عن التصريح فن قال فيه الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم: “إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا”، وقالت فيه العرب: “أعذب الشعر أكذبه”، الشعر هو السحر هو الحلم وليس التقرير أو الخطاب المباشر هو ذوبان الروح عن الواقع في عالم البرزخ البعيد هناك حيث التجليات التي لا يدركها المبصرون بأعينهم إنه الذوق الحاصل من الملامسة والمكاشفة إنه نتاج التلقي الحاصل من التجربة إنه العرفان الآتي من الولوج في عوالم الغيب إنه المعرفة الناتجة من الاستغراق إنه السكر الناتج من نشوة الاكتشاف إنها لحظة الغياب عن الواقع والتشبث به؛ فهل يدرك الشاعر العربي المعاصر ذلك؟



****



محمد عبد الباري – شاعر سوداني



ثنائية الشعر والواقع واحدة من أعقد الأسئلة المتشظية حول ظاهرة “الشعرية”، وحتى يتسنى لنا الخروج من نثار هذا التشظي أكتفي بإلقاء الضوء على بعض زوايا هذا الموضوع المفخخ:



أولاً: ثمة التباس مزمن في مفهوم الشعر ذاته،وذاكرة فك هذا الالتباس مزدحمة بمئات المحاولات التي سعت لمقاربة ظاهرة الشعر والاقتراب من جمرته القديمة،وبالرغم من كل هذه المحاولات ما يزال مفهوم الشعر لا يزداد إلا التباساً وتشعباً، مما يجعلنا نتوخى الحذر ونتوسل بنسبية القول حتى لا نقع في مأزق الحديث عن الشعر وكأنه صوتٌ واحدٌ وهيولى واحدة.



ثانياً: الشعر – لا سيما في هذا العصر- يحاول أن يبني (جسراً بين اللامرئي والمرئي بين الفكرة والشيء بين التجريد والموضوع) كما يقول باث في كتابه “الشعر ونهايات القرن”.



فالشاعر عندما يصطدم بالوجود في صورته الحقيقية ينحرف عن كتلته الخرسانية المغلقة ليسرق صوته من ظلال الوجود وروائحه وخيالاته لا من حقائقه الجامدة، وهو في كل هذا إنما يتوسل بالتجريد والتجريد – كما هو معروف – اغتراب تام ونفي مطلق.



والشاعر أيضاً حين يجترح تجربته يظل مهموماً بالخروج من فخ النسق- وقد لاحظ د.عبدالله الغذامي في كتابه “النقد الثقافي” أن كثيرا من شعرنا العربي هو في الحقيقة تعبيرٌ عن النسق المضمر أكثر من كونه تعبيرا عن الذات الشاعرة- ومن هنا يجهد الشاعر المعاصر في الاتكاء على شجر الذات كثيرا ويحرص أن لا يتيح لأي لحظة هاربة من العالم الخارجي أن تتسلل إلى أوراقه المكتظةِ بصوته وصداه فقط.



وهذا كافٍ تماما لخلق الفجوة التي أشار لها السؤال،وهذا أيضا هو ما أخرج الشعر الأكثر حداثةً من دائرة الشعبية واليومية وجعله موبوءا بالنخبة فقط أو بـ” الأقلية الهائلة ” وفقا لتعبير خوان جيمينيز الجميل.



في الشاطيء الأخر من المشكلة تؤسس نظريات النص الحديثة لدور أكبر من المفترض أن يلعبه المتلقي في تشكيل النص واستئنافه كما يقول البنيويون، فجان بول سارتر- وهو منظر فكرة الالتزام في الأدب وهي الفكرة التي أسيء فهمها كثيرا حتى انتهى بها الأمر إلى ركام الواقعية الإشتراكية الآفلة- يقول في كتابه ما الأدب (القارئ هو الذي يضفي على العمل الأدبي صفة الوجود المطلق بإنتاجه إياه عن طريق القراءة).



وبين هاتين المفارقتين تتأرجح القصيدة المعاصرة اقتراباً وابتعاداً من وعي المتلقي، وبين هاتين المفارقتين أيضاً تتسع وتضيق الفجوة اللازمة بين النص والواقع.



وستظل هذه الثنائية – فيما يبدو لي- باقية بقاء المسافة التي تفصل بين المبدع والقارئ،وتاريخ القصيدة بشكل عام يشي بعلاقة التعاقب التي تحكم شعبية الشعر ونخبويته، ففي اللحظة التي هدأت فيها الثورة الرومنتيكية في أوروبا نزل الشعراء عن منابرهم واختفوا عن الأنظار وأصبحت القصيدة – على يد الرمزيين الكبار- فعل تمرد وعاصفة تدمير لا تستثني اللغة ذاتها، وها نحن نشهد الآن انحسار الموجة الرمزية لصالح أشكال من الشعر أكثر بساطة وأكثر حداثة ً أيضاً.



ثالثاً: الشاعر العربي المعاصر تتنازعه النوافذ اللانهائية والسكك التي تفضي كلها لفردوس الشعر، وقد تطول لعبة التجريب ومتاهة البحث عن الصوت الخاص ولكن هذا التنازع وهذا القلق المشحون بالبحث عن الصوت الخاص هو في ذاته علامة مبشرة بثراء المشهد الشعري العربي القادم.



أما المفاهيم المتصلة بفنية الشعر، فيبدو أن ذاتية المعيار الفني وتنوعه تجعل من اللامفهوم التفسير الأكثر حضورا عند الحديث عن فنية الشعر،وإن كان ثمة ظواهر بارزة في القصيدة العربية الحديثة يمكن أن تشير إلى نوع من التواطؤ حول الفنية المنشودة، كظاهرة تفجير القصيدة العامودية برؤى وأفكار ولغة متجاوزة قد تبدو غريبة إذا اقترنت بوقار هذا الشكل الخليلي الموروث،لاسيما وأن هذه العودة إلى المنبع القديم يتبناها الشعراء الشباب الذي ينزعون دائما إلى أسئلة التجديد والتجاوز.



****



يحيى العبد اللطيف – شاعر سعودي



ربما أختلف عن مدولات الذاتية في ذهن الرؤية الشعرية ، الذات لا تعني الانفصال عن الواقع والتجافي عن الخارج ، الذات هي صدى للواقع وصنيعة لتجارب كثيرة بيد أن الذات تحمل لغة المفرد رؤية منفردة عن القطيع ربما أستحضر مقولة لأدونيس عن أبي نواس حين وصفه بأنه يقابل الله بدينه لابدين الجماعة ، الذاتية هي الإنسان المستلب في عصر الجماعات التكفيرية والمذهبية القاتمة والأحزاب الدينية الطامحة للسلطة ، الذاتية هي من تقدم الشاعر المثقف والنص المتنور الذي يعيد الشعر للشعر من المنبرية القاتمة.



****



عبدالمنعم حسن – شاعر مالي



الفنان يرفض الواقع مهما كان جميلا وقريبا من الفطرة، ويتحيز إلى العودة إلى الميلاد الأول للأشياء منذ أن كانت فكرةً خالصةً في عقل خالقها.



ولأن إعادة اختراع العجلة أمر محال على صعيد التصوُّر؛ فقد غيَّر الشاعر الفنان وجهته، وآثر أن يحمل ما تراكَم من مخلفات الحياة وراء ظهره، وينطلق بها إلى مجاهيل جديدة لم تطأها فكرةُ مفكر.



الشاعر اليوم لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يحفز العالم على مواربتها والتلويح لها من بعيد. ومن هنا نبعت الضبابية التي تلف آثار نفسه الغامضة لا المبهمة، ومن هنا ـ أيضا ـ كان على القارئ أن يستشعر المسئولية المنوطة به تجاه حراسة إيقاعات الشاعر، ومشاركته في الانتقال إلى الضفاف التي يفترعها ويأبى أن يؤثثها وحدَه دون إشراك القارئ معه في عمله.



هذا هو سر الفن الخالص القائم بذاته كما تقوم الغاية بذاتها الثابتة.



الشاعر فنان.. والفن حر من قيود البعد المعياري للقيم، ومراوغ ماهر يستحيل أن يقبض عليه الواقع لحظات.. والشاعر مدرك تماما لهذا الحد؛ لذلك كان له أن يسْتَجْنِح حتمية لغته وينطلق في أفضية الحرية المطلقة، وفي جميع الصعد والمستويات.



ولا غرابة.. إذْ الإنسان خلاَّقٌ بفطرته، وهذه المَلَكة تتجلى في إدراكه لمعنى الفن.. والشاعر مختص بإدراك خصائصه المستمدة من روح الله أكثرَ من غيره، وهو بالضرورة مشدودٌ إلى قطب الحقيقة المجردة، والمثال الكلي الكامل المعروض في المتحف الأزلي كما لم يصافحها حس مخلوق.



الحرية صفة إلهية.. والشاعر الفنان يؤمن بملكاته، ويسعى إلى إثبات الأثر الإلهي النابض فيه.. مرآته أصالته، رغم عدم انفكاكه عن الحتميات.



****



عبد الجليل الحافظ – قاص سعودي



حينما نسبر أغوار الشاعر وحديثه عن النفس فإنا لا نستطيع أن نقف عند مرحلة زمنية معينة بل علينا أن نقف عند أول عتبات التاريخ الشعري ونتعرف على الملاحم الخالدة التي سطرها الإنسان الرافدي ونقف على ملحمتي حينما في الأعالي وجلجامش، ونتعرف لماذا كتبت هاتين الملحمتين الأولى عن سر وجود الكون والثانية عن توق الإنسان للحياة وخوفه من المرض والموت.



الشاعر حتى حينما يتكلم عن غيره فهو يتكلم عن الإنسان ومن أفضل من الشاعر في الحديث عن الإنسان وعن رغباته النفسية وغيرها.



حتى حينما نصل إلى العصر الجاهلي ونجد الشاعر قد أفنى نفسه في القبيلة فهو أفنى نفسه للإنسان فالقبيلة سر وجوده وحياته ورفعته وهو يفعل ذلك لرغباته في أن يعلي من شأنه وشأن قبيلته، وحينما نجد الشاعر القديم يمدح فإننا نجد القصيدة ليست خالصة في المديح فهو يتحدث فيها عن علاقته بالأنثى وعلاقته بالطبيعة وكيف يتمازج معها وكيف يشعر برهبة الكون، وكيف أن ناقته التي حملته في هذه الرحلة هي منتهى أربه وكيف اتحد فيها وأصبحا كائنًا واحدًا من المستحيل أن يضحي به، حتى امرؤ القيس الذي نحرها لأجل الحسان، إنما نحرها لكي يتحد مع الأنثى الشق الآخر من نفسه.



أما في العصر الحديث فالشاعر اتكأ على روحه بعد أن تمازج في قراءاته في الفلسفة والعرفان وأصبح يبحث عن التطهر من كل شيء إلا من روحه التي يرغب في خلودها فأصبح حديثه عنها حديثًا يمت للفلسفة ، وكثير من الحديث هو اتحاد روحي إلهي، لذا كثير من المتلقين بدأوا يشعرون في الاغتراب ليس لأن الشاعر بدأ يتحدث عما لم يعتاده.



ومشكلتنا الأخرى في هذه الغربة أن مناهجنا الدراسية لم تواكب التطور الشعري الحديث وتوقفت عند فترة زمنية محددة.

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح

رحيـــــل