تغريبةٌ بين قِماطين

حسن المطروشي – شَاعرٌ عُمانيّ

وجْهَتي قَفْرٌ،

وعيناكِ طريقي


قُلْتُ: عيناكِ

أنا الطالِعُ مما تَرْفضُ الأرضُ،

ومِنْ برْدِ الأقاصي،

من حروبِ الزُّنْجِ،

من شَدِّ المطايا،

من تواريخِ الإباداتِ،

ومن تغريبةٍ بين قِماطينِ،

ومن أغلاطيَ الصغرى،

وكفّاراتيَ الكُثْرِ،

ومن وِزْرِ براهيني

وطوفاني العميق ِ

كذَّبوني

ثم نامت قَرْيتي إذ أخْرَجَتْني

ثانيَ اثنينِ،

وكان البحرُ يقْفُوني،

ويقفوني حمامُ الحقلِ،

والأشجارُ والأحجارُ،

تقفوني جِراءُ الحيِّ،

تقفوني نعاجُ الجارةِ السمراءِ في المرعى،

ويقفوني غرابُ البينِ،

والبَطُّ صديقي

وجْهَتي عشْبٌ،

وعيناك طريقي

قلت: عيناكِ

وودّعْتُ سفوحي

سأُغَنِّي،

وأسوقُ الإبلَ العطشى

إلى غدرانِ روحي

كنبيٍّ يتقصَّى أَثَرَ الركبانِ

في البيداءِ والريحِ،

سأرمي الآن أضلاعي

لطيرِ السَبْسَبِ الضاري،

وأمضي خَلْفَ مَنْ مروا

على رمْلِ جروحي

أَبَتي .. هذا ابْنُكَ الخَطَّاءُ،

هذا النزِقُ،

المَقْصيُّ من دَرْسِ الكتاتيبِ لِتَدْليساتِه،

المذْمومُ في الحوزاتِ،

إني قد سقَيْتُ القومَ طُرّاً قهوةَ الهيلِ،

أدَرْتُ التَّمْرَ للمجْلسِ،

حدَّثْتُ رؤوسَ الجَمْعِ

عن سيفي وأسلافي،

وكنتَ الماثلَ الأمثلَ

في أعماقِ صوتي ووضوحي

أبتي …

هذا ابْنُك المفقودُ

في مفترقِ الحلمِ إلى الحلمِ،

كقرصانٍ تهاوتْ تحتَ عُكّازًيْهِ ثوْراتُ الرقيق ِ

وجهتي غيمٌ،

وعيناك طريقي

قلتُ: عيناك الدفـاترْ … ورَسَمْـتُ الأندلـسْ

طائرُ الليلِ المهاجـرْ … فوقَ شُـبَّاكي نَعَـسْ

جئتُ، إيماني كبائـرْ … وغـواياتي فَــرَسْ

قَلِقٌ والدربُ كافــرْ … وسـماواتي جـرسْ

بعضُ إخواني صَغائرْ … بعضُ جيراني حَرَسْ

ها كَبِرْنا كالدوائــرْ .. ويبِسْـنا كالنفــسْ

سـأُغَني وأُجاهــرْ .. كلما قيـلَ: احتـرِسْ

فاجمعيـني قلبَ ثائرْ .. خَرَّ من أيدي العَسَسْ

قلتُ: عيناك

تعالَيْ،

أنتِ مني مَوْضعَ السهْمِ من الروحِ،

سأُعْلي خيمةَ الذكرى،

تعالي نقْطِف الليلةَ نجْمَيْنِ أخيرينِ،

ونصطادُ الفراشاتِ

التي تَفْتحُ بابَ الفجرِ للباصاتِ والشمسِ،

لئلا البحرُ يمْحونا،

لئلا تستفيقي

وجهتي عيناكِ،

نامِي،

يَسْقُطُ الليلةَ قلبٌ في الطريق ِ!

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

هَلْ أَتَاكِ حَدِيثُ الْجُرْحِ!!

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح