غـيبوبـة

حمد المخيني – قـاصّ عـمـانيّ



اخْتفَى أَخِي الأكبر, عادَتْ أُختي إلينَا بعدَ أَشهُرٍ ثَمانِيةٍ بطفلٍ مَجهولٍ, وحاوَلتْ أُمِّي أنْ تَنتحِرَ. حَدثَ كلُّ هذا صباحَ الأمْسٍ الذِّي رَحلتَ فيه! هنيئاً لكَ أبي, هل راقتْ لكَ الحُرِّية؟ هل راقتْ لكَ الحُـ…؟



أنتَ لمْ تكُنْ مَخنوقاً بأَيادِينَا! لمْ نُصَلِّبَكَ عَلى جِذعِ نَخلَةٍ. لمْ نُنُفِضْ جِيوبَكَ المُمتَلئة بالِحجارَةِ والرِّمالِ. أنتَ لمْ تكُنْ أَسِيرَ مَنزِلكَ وَعِيالكَ!


لمْ أرَكَ مُنذُ أنْ حَلَّقْتَ بَعيدًا عَنْ قَفَصنَا الصَّدِئ. آخرُ مرَّةٍ رَأيتُكَ فيهَا, قبلَ أعوامٍ, في يومِ العيدِ, حينَ اصْطَحبتَني مَعَكَ لنُصلِّي, بِملابسٍ مُمَزَّقةٍ. قَبلَ أنْ نَدخُلَ المَسْجِدَ, عَلمْتَنِي كيفَ أتَباكَى, وَكَيفَ أُنزِلُ الدُّموعَ مِن عَيني, عَلمْتَنِي كيفَ أشحذُ النقودَ منَ الناسِ. لم نُصلّ يومَها, ولمْ أَشْتَر لُعْبَةً تُذَكِّرنِي بالعِيدِ.



لماذَا أراكَ عاجِزًا اليومَ؟ لمْ تَعُدْ تُرعِبُنِي؟ مَلامِحكَ المُخِيفة تَغَيّرتْ, عَرّتْها سِنينُ الغيابِ. قَبضةُ يَدكَ التي لَطالَما تَهاوَت عَلى ظُهوِرنا مُرتَخِيةُ كَسَمَكةٍ مَيتَةٍ. صَوتُكَ المُتَحشرجُ لم يَعُدْ سِوى أَنينًا. جَسَدُكَ العَظيمِ صَار هامِدًا. ماذا حَدَثَ لكَ؟



تَتَوجَّعْ؟ هَل يُعِيدُكَ الوَجعُ إلى مكَانٍ مَا؟ النَّخلَة؟ نَخْلَتُك التِّي تَرتَوِي مِن دِمُوعِ أمي, و تَترَاقَصُ عَلى أنْغَامِ وَجَعِهَا حِينَ كُنتَ تَعقِدُ حِبَالكَ حَولَ جَسَدِهَا النَّحِيلَ. غُفرَانَكَ! هَل تَخَاذَلَتْ المِسكينةُ عَن عبادتِك حَتى تُشقِيها؟ كَانت تفعلُ لأجلك كلَّ شَيءٍ, تَنْفضُ عَنك البَعوضَ حينَ تنامْ, تَلعَقُ أَصَابعَ قدمكَ إن جِرَحَتْها زُجَاجَةٌ, وتُدارٍي عَنكَ أخْطاؤك. كَاذِبةُ، تَقولُ لنا أنَّ عَصيرَ التفاحِ الذي كنتَ تَشرَبُه, يُفقِدُكَ عَقلْك! حِينَ لا يَكفِيكَ غَداءُكَ, تُعطِيكَ حَصَّتَها, وتَدَّعِي أنَّها ليسَت جَائِعَة. كَانَت مَهووسةٌ بالكذبِ, لأنكَ مهوُوسٌ بالذُّنوبِ!



ما بكَ؟ حَزِين؟ هَه! أنتَ لا تَعرفُ عَنِ الحُزنِ شيئًا, تَحَسبْهُ لعنةً لإسْتِحضَارِ السَّعادةَ, تَراهُ دموعًا مزيفةً, أَنِينًا بينَ الجِدرَانْ.



هلْ أصَابَكَ الحُزْنً حينَ اجتاحَ السرَطانُ أختي الصغرى؟ لا, فقدْ أنْسَتكَ الحياةُ مرَضَها. تمنتْ لو أنكَ تَصحُو ذاتَ يومٍ, تَمسحُ عَلى جَبهتَها, تَبتسِمُ, تُساعِدُها على الشفاءِ, لكنكَ لمْ تفعلْ, حتَّى يَئِسَتْ, و رَحَلَتْ.



أنتَ لا تَعرِفُ شَيئًا. نَحنُ نَعرِفُ عَن الحزنِ كل شيءٍ.



خَدَّكَ مُحمَرٌ؟ لاَ تَقُلْ لِي أنَّكَ خَجِلٌ. أينَ كانَ “هذّا” حينَ كنتَ تَسْتوقِفُ المَّارةَ في الشارعِ, تَعرُضُ عَليهِم ابنَتكَ الكُبرَى بثمنٍ بَخسٍ! هَا قَد عَادَتْ ولَديْها طِفلُ لا تَعرِفُ أبَاه, رَماهَا زُوجها ليتَلقَّفها الرِّجالُ كَيفمَا شَاءوا. هي تَكرَهك, وَجهَكَ يُذكِّرهَا بِالعَارٍ. بِالأمْسِ تَسَائَلَتْ: أيُّ روحٍ طائشةٌ أنتَ؟ وَأيُّ فَحمَةٍ تَنبُضُ بينَ ضُلوعِك؟ لكنَّها لمْ تَجدْ جَوابًا مُقنعًا فانزَوت تُرضِعُ صَغِيرَها.



نَحنُ لمْ نُخلقْ عَبثًا, بَل خُلقْنا لِنَعيشْ. عاشَ أَخِي في جلبابِكَ سَيِّدَ البُؤساءِ. كنتَ تُحرِجُهُ أَمامَ أقْرانِه حِينَ يَلعَبُونَ في الحيِّ, و تَظهَرُ أنتَ سَكرَاناً بملابسِك الرَّثةِ وهيئتُكَ القذِرَة, تُمسِكُ زجاجَتكَ اللَّعِينةْ.



أدْخَلتَهُ السُّجونَ, عَلَّمْتَهُ السَّرقَة! زَرَعتَ فيهِ العُقَد. هَا قَد هَرَب, وتَرَكَنا هُوَ الآخرْ. أَرَادَ أنْ يَعِيشَ. حَلمَ بوظيفةٍ مَرْموقةٍ, وَزَوجَةٍ صَالِحةٍ وَمَنزلٍ دَافِئ. أَرادَ أنْ يَبنِي عَائِلةً وأنتَ لا تَعرِفُ عَن العائلةِ شَيئًا.



صَباحُ اليَومَ, وَبَّخَنِي مُعلِّمُ الثَّقاَفةِ الإسْلاَمِيةْ. لأننَي لمْ اَسْتَطِع تَسميعَ الآيةُ, رُغْمَ أنَّني أَحْفَظُهَا عَن ظهرِ قَلبٍ؛ لكنْ شيئًا مَا أثْقَلَ لِسانِي! هَل لأنها تُذكرُنِي بِمعْصِيةٍ مَا؟ لكنَّني أَحفَظُهَا, ألا تُصدَّقنْي؟ حسنًا, سَأُسَمِّعْهَا لكَ: قال تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا”. هل تَأكدتَ الآن من أننِي أَحْفظُهَا جَيدًا؟ أَنا مُتَفوِّقْ وغدًا سَيتِّمُ تَكرِيمِي, لِأننِي حَصَلتُ على المركزِ الاولِ على مُستوَى الصِّفِ السَّادِسْ. يُمكِنك أنْ تتفاخرَ بي إنْ شِئْت.



انْتَهَى مَوْعِدْ الزِّيَارَة, سَأعُودُ إلى المَنزلِ قَبلَ أنْ تَقلَق أُمي عَلَيَّ. ثُم وَبِصَراحَةْ, لَم يُعْجِبني المَكَان هُنا. كَئِيبٌ وَمُوحش, يعيدني إلى ليالٍ مُخيفةٍ, وشبحٌ أينَما يَممَّتُ وَجْهِي كُنتُ أَرَاه. يَدَاهُ ظَلامٌ سَبقَ وأنْ غَلبَ الشمسَ مَراتٍ عَديدةٍ, جَناحَاهُ اللاَّ نِهايَة. كَانتْ ملامحُه تَشبِهكَ, كَان أنتَ.



أبِي.. لِماذَا لاَ تَتَكَلمْ؟ قُل شَيئًا أَغْفِرُ لكَ بِه.



ألمْ تَشبعْ مِن غَيبوبَتِك بَعد؟ ألاَ تُتُعِبكَ هذه الأجهزة حول جسدك؟! ألا يزعجك صوتها الذي يَبْعَثُ القَلقَ كَجرسِ الإنذارْ؟!



تُزْعِجكَ أَليسَ كَذلِك؟




حسناً. سَأُغْلِقُهَا, حتَّى تَنَامَ بِهدوءٍ!

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح

رحيـــــل