لقاء افتراضي مع الشاعر أحمد راشد ثاني

د. فاطمة الشيدية – شاعرة وناقدة عمانية

1.

في الذاكرة والتاريخ كما في الكتب، يتساوى الأحياء والموتى في الحضور، مع أنهم غير متساوين في الغياب، وربما يحضر الموتى بشكل أكثر وأعمق، ولكن هذا أصبح يحدث بشكل أكثر حياة وحيوية في العوالم الافتراضية، أو العوالم الضوئية كما أحب أن أسميها، لأنك هناك في العالم الضوئي الأجمل والأكثر دفئا ونورا من العالم الحقيقي أحيانا كثيرة، ترى صورهم، وتسجيلاتهم الصوتية، والمرئية، تجد أفكارهم الحاضرة، وكتاباتهم القوية وربما أكثر حتى مما كانوا في حياتهم، حيث يتكلم الموتى بأرواحهم، وحيث تضيء القبور المظلمة بنورها عتمة الحياة التي لا تعرفها الأحلام، ولا يعانقها الدفء، ولا يتخلل مفاصلها النور، هؤلاء الذين فارقوا الحياة، فسقطت مع الموت الأمراض البشرية، كالحقد والحسد والغرور، وتساوت الرؤوس أمام الضوء ولم تبق إلا ميزة الفكر والكلمة الخالدة.

الموتى الذين ذهبوا للظلام في القبور أصبحوا يعيشون معنا، أو نعيش نحن معهم في ذلك الضوء المشرّع على الحرية، حيث لا يوجد من يقسّط الهواء كي نتنفس وفق الكمية المحددة سلفا، إلا من الذين لا يريدون أن يصدّقوا تغير موازين الربح والخسارة في عالم يعوم في الهواء والضوء.


2.

كل هذا كان فكرة جافة تطرق ذهني كلما دخلت عوالم الضوء، وقرأت للخالدين من الغائبين الحاضرين، لكن الأمر كان مختلفا وموجعا عندما فجعت أرواحنا بغياب الشاعر الجميل أحمد راشد ثاني في العشرين من هذا الشهر فبراير2012، حيث تلبسني الحزن والوجع كغمامة سوداء أطبقت على روحي حين قرأت الخبر، وعرفت أنه ذهب محلقا إلى السماء كنورس غافل الماء والرمل والشعر والصحبة والأرض وذهب وحيدا، بعد أن أخرسه الموت عن التغريد، وتوقف قلبه عن الخفقان والحب والشعر، كانت “زاوية” وهي حمامة زاجل ضوئية صغيرة تنقل بين مجموعة من الأصدقاء أخبار الحياة والعالم، هي من نقل لنا هذا الخير المفجع، كما نقلت لنا أخبارا وغيابات أخرى سابقا، وهذه المرة “كما في مرات سابقة أيضا” نقلت لنا الخبر على لسان الصديق المتفجع “عبدالله حبيب” الذي ينشر لنا خبر غياب صديقه الحميم، ما أقسى الفكرة! وما أصعب أن يخبر الصديق الجميع عن غياب صديقه الأخير، أن يصرخ في العالم أن ها أنظروا أن طعنة القدر طعنتني في مقتل، وأخذت صديقي القريب للغياب، لعله كان يصرخ بيننا بتفجّع ليدرأ عن روحه حالة الغياب الأخيرة، وغير المصدّقة، وربما كان يريدنا أن نساعده على التصديق، ولكن من منا كان يجرؤ، أو من كان يصدّق أصلا، لذا كانت كل الردود حسرة وألما أكثر منها مواساة وعزاء له.



كنت أعرف الشاعر أحمد راشد ثاني فقط، أي أعرف الكلمة والنص، وهذا ليس قليلا لأقول أنني لا أعرفه شخصيا، لأن النص هو نحن، والشعر روح الكائن الحقيقي، كنت أعرفه إذن بحكم الكثير من الصداقات والقرابات بيننا، ولكن هذا لا يكفي لذا كان أول ما فعلته هو أنني لجأت إلى “جوجل” الصديق الصدوق، فكان الخبر يتصدر الصفحات الأولى في المواقع الإلكترونية والصحف ووكالات الأنباء.



شعرت أنني أريد أن أعرف أحمد راشد الإنسان، والشاعر أكثر، بدأت مرحلة التعرف القريب، ذهبت للفيس بوك كانت هناك كتابات كثيرة عنه، كتابة أصدقاء الشاعر هي الأقرب، كتابة ظبية خميس كانت حميمة حتى أنني شعرت بها تبكي فبكيت معها، علي أبو الريش الذي ربيتُ ذائقتي على لغته الشعرية في العمود الأخير من زهرة الخليج، شعرت به ينتحب حتى ليقطّع نياط القلب فشاركته النحيب، يوميات عبدالله حبيب المتفجعة وهو يستشعر غياب صديقه الأجمل في ظلمات القبر لأربع ليال متتالية كانت لا تحتمل، من هناك بدأت القراءة المختلفة والحميمة، حيث تتخذ شكل الحروف، وشحنات العاطفة، والمعنى القريب والبعيد شكلا مختلفا للنص حين نقرأ بحب، وبصدق، يصبح النص مختلفا، وقريبا، وخاصا، ودافئا ورقراقا.



الكثير من المواقع تهيأ لك ما تقرأه في الغياب، وكأنها تعقد تلك الفرصة المواتية للتعرف بين غريبين في البرزخ الفاصل بين الحياة والموت، لم يصعب علينا (أنا وأحمد) التعارف، فبيننا مشتركات الجغرافيا والتاريخ واللغة، والصداقات المشتركة .. لهجة أحمد ثاني وسرعته في الكلام، وضجره وتململه يشبه جغرافيتي النفسية والمكانية القريبة منه، كان أحمد في ذلك اللقاء الافتراضي يضحك، وفي عينيه حزن بليغ، وكنت أكثر الصمت لأسمعه كثيرا، كان هو بسيطا كبحر عُمان، وعميقا كذاكرة تاريخية خالدة، وحادا كموقف فكري وأخلاقي لا يقبل النقاش والجدل، وكان لا يتعمد إظهار شيء لا الثقافة، ولا العمق، ولا حتى الشعرية أو الشاعرية التي تمتد من أصابعه حتى نصوصه، ولا يبالغ في شيء بل يبدو متذمرا كثيرا وضجرا كثيرا من المبالغات والكذب والتلفيق والأقنعة التي أصبحت لغة عالمية.



في آخر ذلك اللقاء الضوئي المتعمّد من قبلي، كان أحمد راشد ثاني يبتسم وهو على استعداد تام للغياب، أخبرته عن فكرتي عن الضوء والحضور، هذا إضافة إلى استحضار المقولات الجاهزة من مثل أن “الشعراء لا يموتون” وغيرها لأسليه أو اسلي نفسي بتعبير أدق، لكنه حرك رأسه وهو يبتسم ابتسامة الساخر الذي لم يقتنع بهذا، هو الذي لم يقتنع بالحياة، ويبدو أنه لم يكن مقتنعا بالموت أيضا، وأظنه سيظل كذلك، وأظنه سيظل هناك كما كان أبدا في تلك المنطقة الحية والحيوية بين الموت والحياة، لأنه عصي على الموت والحياة أصبحت عصية عليه.



ولا أعرف لم (مع أني لم أره، ولا أعرفه إلا نصا) شعرت أن له روح طفل مشاكس ومغاير وشقي وعنيد حتى مع الموت، ربما استخلصت ذلك من كتاباته، خاصة كتاباته عن أمه التي وصفها يوما بالدكتاتورية في سخرية محببة للنفس، أو من كتابات أصدقائه عنه.



لم يشفع الحضور الضوئي لي وللذاكرة والخلود في هذا الغياب القريب من الجغرافيا والتاريخ والشعر شعرت بغصة لا يطفئها الضوء ولا الصفحة التي فتحها الأصدقاء باسمه، وصورته التي تشعرك أنه هو الذي فتح الصفحة بنفسه وأنه لا يزال حاضرا بيننا، يكتب لنا شذرات من شعره وحنينه، وصخبه، وسخرياته وحبه للحياة ودعاباته التي طالما تكلم عنها الأصدقاء، الأمر أشبه بأن يتصل بك صديق ميت، لن تفكر في لحظة حين ترى الرقم في هاتفك أن ثمة من أخذ الرقم غيره، بل ستنتظر صوته بشوق وخوف قليل على الجهة الأخرى من الهاتف، ولكن ما سيحدث أن الصوت الآخر سيكسر توقعاتك وفرحك أو خوفك معا.



لقد توقف قلب الشاعر عن الخفقان، وكم لقلب الشاعر أن يتحمل من الذات والآخر والقراءة والكتابة والحياة! لذا ولأنه لم يستطع أن يتحمل فقد توقف، وذهب تاركا قصائده وحيدة، ونصوصه يتيمة، وأصدقاءه مخذولين منه ومن الموت والشعر والحياة معا.



لقد ذهب النورس للبحر تماما، ذهب الطفل الشقي دون أن يكبر ملطخا بالحبر والمحبة القصوى، حلّق في السماء خلف ضحكة منسية في مكان ما هناك، تاركا لنا ذاكرة وذكرى، ونتاجات كثيرة متنوعة الأشكال والمضامين وهي: “سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمه التي لا تعرفه» عام .1981، أغاني البحر والعشق والنخيل» إعداد، .1982، «دم الشمعة» شعر .1991، «يالماكل خنيزي ويا الخارف ذهب» شعر عامي،1996، «قفص مدغشقر» نص مسرحي .1996، «ابن ظاهر» بحث توثيقي .1999، «خافة الغرف» شعر، .1999، «العب وقول الستر» نص مسرحي، .2002 ، حصاة الصبر، إعداد، .2002، «دردميس» إعداد، .2003، «جلوس الصباح على البحر» شعر، .2003، «إلا جمل حمدان في الظل بارك» إعداد، .2005، «يأتي الليل ويأخذني»، شعر 2007، «رحلة إلى الصير»، بحث، .2007، «أرض الفجر الحائرة»، مقالات، .2009، «على البحر موجة»، نصوص، .2009″ ) .



3.

في مساحة ضوئية ما خصصتها لأحمد راشد ثاني، وضعت وردة بيضاء، وكل ما كتب عنه في رحيله الآثم، وحضوره الحميم، وبعض كتاباته، فابتسم لي، وكأنه أدرك أن فكرتي عن الضوء صحيحة لحد ما.. وبدأ يقرأ لي بعضا من شعره.



أي موجة



يصفونَ لي الصحراءَ

وينسونَ حبَّةَ رمل

في موجةٍ مازالت تركضُ

على البحرِ

يصفونَ خطواتي الكثيرة

على شاطئ البحر

بينما لا يعرف البحر

في أيِّ موجة غَرِقْت



ما جرى للحديقة



عندما عَرِفتْ بما جرى للحديقة

لم تخرج الموجةُ إلى الشاطئ،

ولم يعد البحرُ يكلِّمُ نفسَهُ

الطيورُ وَضَعَتْ المرايا

في الأعشاشِ،

وكان ثملاً

الضوءُ وهو يمشي

كان في المدينة خللٌ

في الإبرةِ

كان في المدينة خيطٌ

من دخان



أخيراً



يسألني عن دوافِعِ الموجِ

وأخبرُهُ عن حذاءِ البحرِ

يسألني عن أسباب السماءِ

وأخبرُه عن قبعةِ القَمرِ

أخيراً صَمَتَ،

فأخذتُ أجمعُ الحصَى

من على شطآنِ الكلامِ

وأضعُهُ في كأس القصيدةِ

أخيراً توقَّفَ عن رثاء المرآةِ

ونامَ على الماء

كظل وردةٍ

أخيراً شُفيَ من الدّم



4 .

اللهم ارحم طائرك القادم إليك في عتمة الليل وحيدا ورهيفا ومثخنا بالشعر والجراح، وهيئ له متسعا من نور رحمتك، وحمائم مغفرتك، وفسيح جناتك। “اللهم ارحم أحمد راشد ثاني شاعرا وإنسانا”.

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

هَلْ أَتَاكِ حَدِيثُ الْجُرْحِ!!

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح