حكاية النار

طفول الصارمية – شَاعرة وقاصّة عُمانية



كان كل ما يحيط به أغبرا ، أرض قاحلة تمتد بلا انتهاء . وعواصف عاتية تثير زوابع الغبار والدخان المتصاعد من كل اتجاه .

 بين كل ذلك كان يقف أبوها وحيدا وبيده بندقية ، شاخصا ببصره نحو الطائرات التي تمشط الفضاء كأسراب من الجراد ، وفي عينيه المحتقنة تنعكس آلاف الحرائق ، تنصهر وتنسكب حمراء تختفي في لحيته الكثيفة المشتعلة بالبياض ، يهتف ، وعروق جسده المنتفض نافرة من الغضب : “ليتني كنت معهم ” ولا يني يرددها كأهزوجة موت أحمر .


أيقظها من نومها قلق وخوف لم تشعر به من قبل، فكلما أغمضت عينيها تنزلق إلى هوة الحرائق المشتعلة في عينيه ، وتغرق بطوفان الدموع المتجمعة على ضفافها.

حارت فيما تفعل، لتخفف من حدة الخوف الذي يجتاحها وذلك الإحساس المؤلم بالضيق وكأن يدا تضغط على قلبها بقسوة لتوقفه عن الخفقان، رغم أنه كلما نبض تصافقت عظام صدرها من شدته.

خطت على الأرض الباردة التي تلسع قدميها الحافيتين ،… فتتصاعد البروده حتى صدرها وتتشنج عضلات رقبها وفكيها وتصطك أسنانها، فيزداد الألم ، وتحيط نفسها بذراعيها ولكن بلا جدوى …

التقطت شالا بنيا عريضا ملقا على أرضية الغرفة ، لفت به نفسها ، ووجدت نفسها تقف باتجاه القبلة . وقفت طويلا تفكر فيما عليها أن تفعل ، وتساءلت : هل عليها أن تصلي؟

تلفتت حولها خجلا من أن يراها أحد تصلي في هزيع الليل، كانت قد تشربت الكثير من روح والدها المتمردة، فهي ابنه رجل لم يؤمن بالصلاة ، لم يؤمن إلا بالبندقية والكتاب ،و لم يقرأ القرآن، قرآنه كان البيان الشيوعي لماركس، حتى بلغ الخمسين ووقع مصادفة على آية حولته من اليسار الشيوعي إلى اليسار الإسلامي. لكنها لم تتأثر به بعد الخمسين ، بدى لها رجلا خائفا ومسالما، بعيدا عن كل ما غرسه فيها من ثورة وتمرد.

وفكرت ، ماذا عليها أن تسمي هذه الصلاة ، فهي لم تقم الليل من قبل ، ولابد أن هذه الصلاة ليست كذلك ، لم تتوجه إلى الله بدعاء يوما، وكان يخجلها أن تركع الآن لاجئة إليه أن يخفف عنها أعاصير الخوف التي تجتاحها، حارت كيف تصوغ كلمات الدعاء وبماذا عليها أن تبدأ…

حدثتها أمها ذا مساء ماطر بدموعها بعد يأسها من نصح الأب العاصي أن يصلي : نعم، صلى والدك بخشوع وصدق مرة واحدة ، حين رأى في الحلم أنه يذبحك ، ولم أره يصلي بعدها.

لا بد أنه دعى يومها أن يبعث الله له ذبحا عضيما – كما فعل النبي إبراهيم – ، كي لا يضطر لذبح ابنته … لو خيرها ، لما كانت لتقول ( يا ابت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين )، كانت ستهز كتفيها بلا مبالاة وتقول : افعلها وخلصني!!

كل ذلك كان يستنفر الدموع في عينيها، ويخنقها نشيجها الصامت، وقررت أن تسجد طويلا…

أخبرها والدها – بعد الخمسين- مرة أنه يشعر بأن الله يتعامل معه كصديق حميم ويمد له يد المساعدة في كل شيء ، لكنها لم تشعر بذلك من قبل ، فطوال السنين الماضية كان يحدثها عن ماركس ولينين وجيفارا ، عن الثورة والغضب والكفاح ، ساعات طويلة كلما سنح الوقت ليكونا لوحدهما ، لذلك ماعادت تستسيغ حديثه الآن عن الله ومحمد النبي ، رغم انه كلما تحدث بأسلوبه المؤثر عنهما تشعر بحب كبير تجاههما ، ربما لانهما حققا سكينة لروح والدها التي لم تعرف السكينة طوال خمسين سنة.

وهمست في سجودها الطويل : ( اللهم اجعل الموت راحلة لي من كل شر ).

صعقها أن تدعوا بذلك ، وكأنها تقول بطريقة أخرى : إفعلها وخلصني ..

ظلت منكبة على جبينا ودموعها الغزيرة يستدرها ألم خفي أن لا مغفرة ولا راحة ترتجى، وأنها مثقلة جدا بالذنوب ومغرقة البخطايا، ولا وقت لديها لتبلغ الخمسين حتى تصلي.

مر زمن طويل على حالها، حتى شعرت بأنها جد منهكة ومخدرة، وكأن الأرض امتصت كل طاقتها، نهضت من سجودها وسارت وهي تترنح صوب الباب المفضي إلى خارج غرفتها ، لكنها تراجعت في هلع حين رأت وجهها على المرآة المعلقة بالباب.. ، كان جبينها مضرجا بالدماء ومعظم وجهها مصطبغ بلون الدم القاني ، .. تفحصت وجهها ، لا أثر لأي جرح ، ولا مبرر للنزف ..، شالها البني كان مثقلا بالدماء المتخثرة عليه ، وفي الأرض حيث سجدت بقعة كبيرة من الدماء .

وانكفأت على نفسها عند زاوية الباب ، ما كانت الدموع لتغسل ذنوبها ، ولا الدماء تستطيع ، ولا شيء آخر ، سوى الحرائق التي رأتها في عيني والدها ..

أغمضت عينيها ، واستسلمت هذه المرة لانزلاقها إلى القعر المظلم للحرائق المشتعلة في عينيه ..

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

عن قرب .. حسن شهاب الدين

لو كــان ..!

أوهام حب اضطراري