رقص الضفائر

عائشة المعمريّـة – قاصّـة عمانيّـة


….. : هل ستذهبين إلى البيتِ بالحافلة ؟

- سعاد: لا، سأذهبُ مشياً على قدمي، حافلةُ قريتنا تتأخرُ كالعادة، وأخشى أن يفوتَني مسلسل الكارتون الذي أُتابعه.

- ….. : ولكن الجو حار وبيتكم بعيد عن المدرسة.

- سعاد: لا عليك، أنا أحبُ المشي، وسترافقني ابنة عمي، لا تخشي علينا، وداعاً.. دعي ذلك سِراً.


تودعُ صديقتَها، وتمرُ بابنة عمها، ثم تتسللان من بوابةِ المدرسةِ الصغيرة دونَ أن يراهما أحد، في حين أنهما تُدركان جيداً خطورة الخروج بدون الحافلة، فليس ثمة بيوت قريبة من المدرسة، لا شي حولها سوى شجر الغاف والسدر المعمر، وبعض النبتات الغريبة التي لا تنمو في مزارعِ أهل القرية، وصوت “السراريح” يستوطن المكان.



تُشيرُ سعاد إلى الوادي البعيد وتقول:

- ما رأيك يا ابنة عمي؟ المغامرة جميلة.. أليس كذلك؟

- نعم، ولكنني أخشى هذا الطريق، لأول مرة أشعرُ أن العالم بلا أمان، والوقت نهاراً.

- لا تخشي.. فأنا معكِ، هاتِ يدكِ.



تستمران في المشي الحَذِر والسريع في نفس الوقت، لكي لا يَفوتهما الفيلم الكرتوني الذي تغير موعده، أخذتا تختبئان خلف جذوعِ شجر الغاف، كلما مرت حافلةٌ تنقل المعلمات أو البنين من المدارس المجاورة، كانتا تشعران بالخزي والخوفِ ولكنهن تحملان في حقائبهِن الثقيلة إصراراً رهيباً. تدخلان الوادي الغارق في الجفافِ منذ زمن، تختفيان عن أنظارِ المارة على الشارعِ الترابي الذي تمرُ به الحافلات.



حملت كل واحدة منهن حقيبتها بطريقتها الخاصة، سعاد حملت حقيبتها الثقيلة على رأسِها، ومَشت بِخطواتٍ متناغمةٍ محاولةً تقليد جارتهم أم مرهون في طريقةِ حملِ بضاعتها الصغيرة في صُرةٍ مُتنقلة، تُمسكُ الحقيبة بيدها اليمنى، وتَحشرُ يدَها اليُسرى في حَركاتٍ عشوائيةٍ مَع رَفعِ “مَريولها” المَدرسي الذي لن يُشبه عباءةَ “أم مرهون” أبداً. أما ليلى فكان يحلو لها في ذاك الجو الحار والمشمس أن تُعلق حَقيبتها ذات الكتفين على صدرِها، وكأنها تَحملُ آلةً موسيقيةً كتلك التي تحملها مُعلمة الفنونِ الموسيقية فِي كل صباح، وأخذت تُغني:



” في الدروب

هيا نغني

في المسارح والسحاب

…. ” *



ليلى وسعاد تغنيان سوياً، تَترنمان بِحلمٍ مُشترك صَغير، لا يَتعدى حُدودَ الظفر بمصافحةِ بطلة المُسلسل الكرتوني على الحقيقية وتَحسس شعرَها القصير جداً غير آبهتان للناقة التي تتربص بهن بالقرب، كانتا أقوى من أن يَعرْنها اهتماماً للوهلةِ الأولى، اندلقَت خُطوات الناقة خَلفهن فجأة، تسمّرت ليلى مكانها، لم تقوى على الصراخِ أو الركض، أغمضتْ عينيها بشدة، استسلمت للقدر الذي يعدو خَلفها، ولكن القدر تجاوزها سريعاً. الناقة ذات الأرجل السوداء الطويلة والرقبة الممتدة تستمر في الركض، سعاد رَمت بحقيبتها بعد أن كانت على رأسها، أخذت تركض بشدةٍ، شعرت بأن “مريولها” المَدرسي قد تَمزق من الأسفل، لم تقو على رفعه، فلم يحدث أن رفعت “أم مرهون” عباءتها لسبب كهذا، والناقة تركض خلفها، المسافة أصبحت ضئيلة بين سعاد والناقة، لم يكن أمام سعاد سوى الصراخ والركض معاً في وجهةٍ واحدةٍ فقط، فهي من منظورها الصغير أن تغيير اتجاه الركض يزيد الفترة الزمنية للمواصلة ويحتم المراوغة، كانت تركض وتنظر إلى الخلف على التواتر لكي تقيس مستوى بعدها عن الناقة، ولكن وجه الناقة القبيح يقترب منها شيئاً فشيئا، لم يكن لون “المريول” عشبياً ولا لون أيّ غذاءٍ تحبه الجِمال، ولكن الناقة لازالت تركض خلفها، كل شيء عَبر مخيلة سعاد وهي تركض بهذه الشدة، كانت ترى في وجه الناقة رجلاً ذي شوارب طويلة يسيل لعابه، وفي أرجلها عصى جدِها الغليظة، كل شيء توالد في ذاكرتها برعب، اصطادت الناقة طرف حجابها الأبيض الممتد من الخلف الذي كان يأخذ شكلاً مثلثاً، تمزق بين أسنان الناقة، تذكرت الكابوس الذي يُخلعُ فيه وشاحُها دون أن تعرف الفاعل، مرتْ في داخلها سريعاً فكرة أن ما يحدث تفسيراً لهذا الكابوس، شعرت بوخزِ إبرةٍ الحجاب تحت ذقنها، فخلعته بيدها وبقيت ضفيرتها تتدلى بشكلٍ أكثر إغراءاً للناقة، سعاد تركض وأنفاسها تتصاعد بين صرخة وأخرى، والناقة لا زالت تركض خلفها، وليلى أصبحت بعيدة عن مستوى نظر سعاد، بعيدة بقدر بُعد لحن الحياة عن كليهما، فليس في مقدور ليلى النحيلة منع شيء، كان المكانُ أشبهَ بمسرحٍ يُفقدُ الذاكرةَ صوابها، يبدو أن الناقة أساءت الفهم، ولكن من يوقفهما، مَن يشربُ صراخُ سعاد الذي يصطدم بمئذنةِ القرية ولا يعود!



الحافلات تمر على الشارع الرملي، ولا أحد يرى الفتاتين أو يسمعُ صراخهما، فهدير الحافلات الممزق لم يتح الفرصة لآذان المارة بالسمع. ناقة تمارس هوايتها في الركض، ولا مغيث، سعاد تبكي، سعاد تصرخ، سعاد تضحك، سعاد لا تعرف لما كل هذا يحدث.



الركض أوهنها كثيراً، أصبح ركضها أبطأ من ذي قبل، توقفت سعاد عن الحركة وسقطت أرضاً، صرخت أم مرهون من بعيد، فابتعدت الناقة، ثم هرولت باتجاه ليلى.

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح

رحيـــــل