“اسم الوردة” الضحك قوة المعرفة .. وأداة الحقيقة

د. فاطمة الشيدية – نَاقدة عُمانيّة

الحلم كتابة والكثير من الكتابات لا تكون إلا حلما!

[ 1 ]

منذ زمن بعيد سمعت عن اسم الوردة لامبرتو إيكو، ومنذ زمن أقرب كانت تسكن مكتبتي بعنادٍ وتحدٍ عجيب، كنت قد قرأت عن صعوبتها؛ لغة وفكرة، وأنها تشكل تحدٍ جاد للمتلقي والقارئ، بل أن الكثير ممن بدأ في قرائتها لم ينجح في استكمال القراءة لشدة التفاصيل والإسهاب في وصف المكان والزمان والحال،


وللعمق الذي تتسم به لغة الرواية، والأحداث المتتابعة التي قد تضجر المتلقي الساعي وراء المتعة،وقبل عام تقريبا قبلت التحدي، وقررت الامتثال لقراءة هذا المنجز الإنساني العظيم، استغرقتني الرواية واستغرقت فيها، ولم يكن الوقت قصيرا ذلك الذي أخذته في تلك القراءة الأشبه بالسباحة ضد التيار، بل وجدتني مفتونة بكل ما كان منتظرا منه أن يرعبني، المكان وكل تلك التفاصيل الدقيقة لوصفه، والزمان البعيد، شعرت أنني عشت حياة أخرى وأنني كنت مع “جيوم” و”أدسو” في تلك الرحلة المثيرة في ذلك الدير المرعب كما تصورته رغم ترف وبذاخة تصميمه كما يصفه الراوي، كنت أصاحب تنقلاتهما من مكان لمكان، وأرسم معهما شكل المباني ووجوه الأشخاص، وأرصد تحركات الرهبان، وأفجع بكل جريمة جديدة، قرأت الرواية بمهل كبير، بل أحيانا كنت أعيد قراءة ما قرأت مرة ومرات عديدة لأفهم كل ذلك النحت في الزمان والمكان والروح، لأخرج منها أكثر إيمانا بقيمة الإنسان والروح والوعي، وأكثر تعلقا بجماليات المكان والكتابة معا.

[ 2 ]

تعد رواية “اسم الوردة” كما يجمع النقاد من أهم الروايات في القرن العشرين، وقد نشرت لأول مرة باللغة الإيطالية عام 1980 تحت عنوان “Il nome della rosa”، وترجمت إلى الكثير من اللغات. وقد حققت هذه الرواية نجاحاً كبيراً أدى في نهاية المطاف إلى تجسيد أحداثها في فيلم عام 1986 يحمل اسم الرواية، وكانت فكرة الرواية كما ذكر مؤلفها؛ أن رواج فكرة الروايات البوليسية أدى إلى أن أحد الناشرين جمع عددا من الكُتّاب وكان إيكو من بينهم، وطلب منهم كتابة رواية بوليسية، إلا أن إيكو الباحث في القرون الوسطى والذي يقول أنه يعرف القرون الوسطى أكثر من القرن الذي يعيش فيه، قرر أن يكتب رائعته الشهيرة في ذلك العهد، بل وفي أحد الأديرة كمغامرة كتابية وفلسفية جديرة به وبوعيه الناقد.

[ 3 ]

أمبرتو إيكو, فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى. ولد في 5 يناير 1932، وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم والمختصين بعلم الجمال. تحصّل على الأستاذية في الفلسفة بجامعة تورينو عام 1954م برساله حول ” الجمالية عند توما الأكويني”, وعُهد إليه بأستاذية السيميوطيقيا في جامعة بولونيا عام 1971م

من أهم مؤلفاته النظرية: “العمل المفتوح – 1986 ، البنية الغائبة – 1975 ،دراسة في السيميوطيقيا العامة – 1979، ست رحلات في أدغال السردية – 1994 ” ومن أهم مؤلفاته الروائية:”اسم الوردة، رواية باودلينو، رواية جزيرة اليوم السابق”.

وإيكو الذي دخل مغامرة كتابة الرواية وله من العمر سبع وأربعون عاما، وكان فيما مضى يسخر من الروائيين الذين يدوّنون أكاذيبهم على حد رأيه، قرر أن يكتب بشكل جاد مستخدما روحه البحثية، وفكره المختلف، لذا فلا غرو أنه جعل السنة الأولى له في كتابة هذه الرواية، لجمع الأدلة، وكل ما يتعلق بالرواية كأنه في بحث علمي، حيث جمع بذلك مادته الروائية على مهل من أسماء الرهبان، والكتب، وأنواع السموم، و كل ما يتعلق بالمعمار الكنسي، لأن ما كتبه إيكو ليس رواية فقط بل هو أكثر من ذلك متقاطعا مع التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم الأديان وغيرها.

ولقد نجح أمبرتو إيكو أن يكتب رواية بوليسية فعلا من حيث الجريمة الغامضة جدا والتحقيق الذكي، والمحقق النبيه والفطن والحاضر البديهة لأدق التفاصيل، ولكنها رواية بوليسية من نوع خاص جدا وبعيدة جدا عن العصرنه والحالة الحديثة بقوانيها وتحقيقاتها، وبذلك نجح في اجتذاب القراء، بل وفي جعلهم يصابون بحالة من الافتتان والانبهار بتتبع الخيط الروائي التاريخي البعيد.

إن قدرة الروائي على نسج تلك الأحداث التاريخية، والجمع بين الحياة والدين، والداخل والخارج، بل والحب الألهي والحب الدنيوي المتمثّل في شهوة الجسد والمال على حد السواء، وفي رسم معالم الذات الإنسانية بكل مكوناتها ومكنوناتها ومتعالقتها الاجتماعية والنفسية والروحية،كتبت لاسم الوردة الخلود كأهم الأعمال الروائية الخالدة. فرغم أن الأحداث كلها كانت تدور في دير ومع مجموعة من الرهبان، وضمن فكرة محاكم التفتيش الذائعة الصيت في ذلك العصر، إلا أنها كانت رواية إنسانية، تتجلى فيها الذات الإنسانية بكل نزعاتها المتداخلة بين الخير والشر، لقد سلط ضوء اللغة على مكنونات النفس، راسما تلك النفوس التي ترى الحق فيما تجنح وتميل إلى أشياء أخرى، والنفوس التي تعمد لتفسير وتأويل مقاصدها بأي وسيلة فتسييس الديني، وتفرض سلطتها على العامة لتكون في أمن السلطة، كحالة احتماء الديني بالسياسي في القرار والتشريع والتداخل المادي بينهما، كما صور فكرة تقديس المعرفة، والخوف منها، والرفعة المرسومة، والخوف من الفرح والضحك، كما لم تغفل جانب الروح والجسد معا، كما لم تغفل جانب الخير والشر، والزمن والمكان.

[ 4 ]

كان عنوان (أسم الوردة) عشوائيا وبعيدا جدا عن أية فكرة أو مضمون تحمله الرواية، وكان أيكو قد فكر بتسمية روايته (دير الجريمة) لكنه تراجع عن هذا الاسم فهو يقول : “لقد استبعدته لأنه لا يركز سوى على العمق البوليسي. وكان بالإمكان أن يقود هذا العنوان المهووسين والمحبين للقصص البوليسية إلى التهافت على رواية ستخيب ظنهم دون شك” . كما فكر بأن يسميه (أدوسا دو ميلك) ، لكن الناشرين في إيطاليا لا يحبون أسماء الأعلام . وربما اختار هذا الاسم ليبعد الأذهان عن الفكرة المباشرة للرواية، أو لتمجيد صورة الكتاب الضائع فعلا فهو “الوردة الضائعة” أو كل المعاني الضائعة، كما جاء في السطر الأخير من الرواية، “كانت الوردة اسماً, ونحن لا نمسك إلا الأسماء” وهو بيت شعري لراهب عاش في نفس الفترة التي كتبت فيها الرواية، واستخدمه إيكو لتمجيد الماضي إلى غير ذلك من التأويلات التي يمكن أن يحتملها عنوان الكتاب البعيد عن مضمون الفكرة.

[ 5 ]

تدور أحداث رواية “اسم الوردة” في أحد أديرة شمال إيطاليا التابع للرهبنة البنديكتية وذلك في شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 1327، حيث تحدث جريمة في هذا الدير، مما يستدعي من رئيس الدير طلب محقق يكشف غموض هذه الجريمة، ولكن منذ وصول المحقق يدعى “جيّوم” من باسكرفيل وهو يتبع الرهبنة الفرانسيسكانية وهو شخص حاد الذكاء سريع البديهة عمل سابقا كمحقق في محاكم التفتيش ولكنه تخلى عن وظيفته تلك بعدما رأى أن مهمة محاكم التفتيش لم تعد فقط إرشاد الناس بل أيضاً معاقبتهم وبوسائل بشعة بعيدة عن روح المسيحية. وتلميذه الراهب الصغير (أدسو) الراوي الفعلي للأحداث، حتى تظهر جرائم قتل أخرى متتابعة، وتتكرر جرائم القتل المريبة هذه ويكون طبعا ضحاياها جميعا من الرهبان، حتى يتم يتمكن أخيرا “جيوم” من فك ألغاز الجريمة ويتوصل لمعرفة القاتل الحقيقي الذي هو أمين المكتبة الشيخ الضرير “يورج” والذي كان يدافع عن المكتبة ويحمي الرهبان من شر المعرفة في الكتاب الذي يسعى الجميع لمعرفة ما بداخله، وهو الكتاب الثاني لأرسطو”"الكوميديا” أو “الملهاة”، حيث يخفيه في مكان خاص، وقاعة يصعب الوصول لها، وكان يقتل كل من يحاول الاقتراب منه وبطرق عديدة، كان آخرها وضع سم في صفحات الكتاب ليموت كل من يقوم بتصفحه، لما يرى من خطر “الضحك” على الإنسان يقول ص 723″ الضحك هو الضعف، هو الانحلال، ومسخ طبيعتنا الإنسانية، هو اللهو”.

قسّم ايكو الرواية لسبعة أيام حسب الصلوات التي يؤديها الرهبان، متتبعا في الكتابة، وفي كشف اللغز نسق أبواق سفر الرؤيا السبعة.

[ 6 ]

زمن الرواية كان الزمن الجميل للحضارة العربية، حين كان دور العرب والمسلمين وإسهاماتهم العلمية والحضارية والإنسانية ساطعة وواضحة بل كانوا بعلومهم مشاعل للحضارة الغربية، ووسيط نقل للعلوم عن طريق الترجمة، لذا فلا عجب أن نجد في الرواية الكثير مما يدل على ذلك التراث الحضاري والإنساني الذي لا يمكن تجاهله زمنيا وعلميا سيما من باحث عميق وجاد ومتخصص في تلك الفترة، وفي رواية تعنى بالتاريخ والعلم معا.

ولذا ترد الإشارة الى العرب ومنجزهم العلمي والثقافي والفكري من بداية الرواية حتى نهايتها، وعلى رغم استخدام لفظة “الكفار” للدلالة على العرب والمسلمين، إلا أن الأمر لا يزيد عن كونه اختلاف في المعتقد سيما أنه يصدر من رجال دين ذو معتقد مختلف، ولكن هناك احترام واعتراف كبير بالمنجز العلمي والحضاري للعرب والمسلمين، ويمكننا تقصي بعض الإشارات التي وردت في الرواية والتي تظهر صورة مشرقة للعرب في تلك الحقبة التاريخية، ومنها:

- ص 59″يقول “جيوم” في معرض الحديث مع رئيس الدير الذي منعه من الوصول للطابق الأخير من المكتبة: (أعرف إن ديركم يعد هو نور المعرفة الوحيد الذي تقدر المسيحية أن تضاهى به مكتبات بغداد الست والثلاثين، والعشرة آلاف مخطوط التي يملكها الوزير ابن العلقمي، وإن كتبكم المقدسة تعادل الألفين وأربعمائة مصحف التي تتباهى بها القاهرة، وإن حقيقة خزاناتكم هى البرهان الساطع ضد أسطورة الكافرين الذين أرادوا منذ سنوات (وهم المتربعون على عرش الكذب) أن يحملونا على الاعتقاد بأن مكتبة طرابلس غنية بستة ملايين مجلد ويسكنها ثمانون ألف من الشراح ومائتا ناسخ).

- ص (106) – سفيران لجيوم، هل تهتم بالأعشاب، فقال جيوم بتواضع، قليلا جدا، لقد وقع ذات مرة بين يدي كتاب “تقويم الصحة لأبي القاسم البلداشي ، أبو الحسن المختار بن بطلان، أو القاسم المختار، كما تريد، أتساءل إذا كانت توجد منه نسخة ؟”

- ص 115 ، أحد الرهبان الذين تعرفوا عليهم في المكتبة مترجم من العربية

- ص 118 ومن العربية كتاب الجبر للخوارزمى، ونقله إلى اللاتينية روبيرتو

- ص 137 في إشارة للعرب “ولا أذكر لك تلك الأشياء الرائعة في علم البصريات وعلم النظر التي توجد في كتب الكفار”

- ص 168 في إشارة إلى مسحوق العقيق، المجلوب من الكتاي، أعطانى إياه عالم عربي

- ص 173 كتاب الشعر لأرسطو (وصل إلينا عن طريق العرب الكافرين)!

- ص174سبق العرب فى وضع علم الشفرة لقد كتب أبو بكر أحمد بن على بن واشية النباتى منذ عدة قرون كتاب (رغبة المخلص الغامرة فى معرفة رموز الكتابات الغابرة)، وعرض عدة قواعد لتركيب وفك رموز الحروب الغامضة، صالحة للشعوذة، وأيضاً للمراسلة بين الجيوش أو بين ملك وسفرائه، لقد رأيت كتباً عربية تعرض مجموعة من الوسائل حقاً عبقرية ،لقد رأيت كتبا ً عربية تعرض مجموعة من الوسائل حقا ً عبقرية.

- ص266 لوحات الخوارزمى الفلكية والتى ترجمها اديلارود دوباث، إنه كتاب نادر جداً. عيسى بن علي “في علم البصر” الكندي “حول أشعة الكواكب” .

- ص 328 في وصف البوصلة ولكن الاختراع الأكثر بداهة قد وصفه عربي هو بيلق القبياكي

- ص 331 يقول جيوم” في علوم الرياضيات فقط كما يقول ابن رشد تتطابق الأشياء المعروفة لدينا وتلك المعروفة إطلاقا.

- ص 483 في قاعة أفريقيا ” فقلت وأنا أتفحص الخزانات: وها هنا كتب أخرى “القانون لابن سينا”وهذا المخطوط الرائع بخط لا أعرفه .. من الزخرفة يبدو أنه قرآن ولكني للأسف لا أعرف العربية………… إنها باللاتينية ولكنها مترجمة عن العربية، أيوب الروحاوي دراسة حول رهاب الماء عند الكلاب، وهذا كتاب الكنوز وهذا في علم البصر للخازن.

- ص 495 أدسو : وهكذا تأثرت بصفحات ابن حزم الذي يعرف الحب كمرض عضال داؤه فيه، والمصاب به لا يريد الشفاء منه

- ص 497 أدسو: لم يبق أخيرا لدي أدنى شك حول خطورة حالتي عندما قرأت استشهادات لابن سينا العظيم، حيث يرى في تعريفه للحب بأنه هاجس معذب ذو طبيعة كئيبة يولد من قوة التفكير والتركيز بملامح وحركات وعادات شخص من جنس مغاير .

- ومن شروط العالم كما تقدمها الرواية احترام اللغة العربية “والعالم لا يقول عن كتاب انه غريب وإن كان بالعربية، حتى لو كان لا يعرف العربية “، ومن شروط أمين المكتبة الإلمام بالعربية

- الكتاب موضوع الرواية وسبب الجريمة مجلد يحتوي الجزء الأول منه على نص عربي حول أقوال من هو أحمق، وآخر سرياني يترجم نصا مصريا في الكيمياء يعزو خلق الكون إلى الضحك.

[ 7 ]

اسم الوردة رواية من طراز مختلف، فمن أراد المجازفة بقرائتها، فعليه الاستعداد لولوج عالم من الغموض والفلسفة والكتابة المنحوتة بوعي وفكر، عليه الركض واللهاث وراء كل معنى وفكرة وقيمة في سطر تقريبا، كما عليه التخلي عن حساب الوقت للقبض على المعنى، والقراءة ببصيرة وتمهل لإحراز فتنة اللغة، وفك رموزها بتأنٍ وهدوء .

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

هَلْ أَتَاكِ حَدِيثُ الْجُرْحِ!!

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح