عن قرب .. الشاعر والأديب سيف الرحبي

لقاء مع الشاعر والأديب العُماني سيف الرحبي



سيف الرحبي، الإنسان والشاعر، كيف ينظر إلى نفسه؟ ماذا يعتمل في ذهنه عندما ينظر إلى المرآة؟



هذا سؤال إشكالي يُدخلنا إلى غابة من الإشكاليّات المطروحة في هذه الأسئلة المتوالية. حين ينظر الشاعر أو الكائن إلى المرآة فهو لا يرى إلا أشباحه المفزعة، وطفولته البعيدة.. يرى جريان الزمن الهارب، فيذعر ويخاف، ويبدأ بالتّأمّـل في حياته الماضية وحياته المقبلة. وشخصيًا فإنني لا أحب المرايا كثيرًا حتّى أنه حين تقذف بي الصدفة في مكان محاط بالمرايا أحسّ بالانزعاج، التحديق في الجدران العارية منها وهي تمثّل الفراغ أقلّ فزعًا وأقلّ رعبًا من المرايا التي تلخّص عمر الإنسان، بل وعمر البشريّة جمعاء. لكن بمعنى آخر ليس هذا الخوف هروباً من الحقيقة . فالمرآة تعكس جانباً من حقيقة هذا الكائن وهو يتلاشى في خضم الزمن والتغيرات ؟ إنها إشكالية ذات وجوه متعددة.


في لحظات الوعي والإدراك المختلفة، ما هي اللحظة الأكثر قربا من حالة الكتابة غير المعللة؟



ليست لديّ حالة نموذجيّة أو نمطيّة للكتابة، بل هي حالات متعددة. ربما كنت أحبّ في الماضي النهوض في الصباح الباكر جدًا وشرب القهوة والكتابة مع سماع الموسيقا، لكن فيما بعد وفي حالةٍ من الشتات المكاني اعتدتُ على الكتابة في أماكن مختلفة.. من الطائرة إلى القطار.. إلى الكتابة وأنا ماشيًا.. تبرق برأسي فكرة فأسجلها لأكتبها، وربّما تأتي قصيدةً أو مقالةً أو قصّةً، فاللحظة الشعرية أو الكتابية تهاجم في أماكن وحالات مختلفة حتّى في خضمّ الشتات أو الجموع التي أحاول تفاديها، إذ أكون بينها وأنا أعيش حالةً شعريّة – سواء كتبتها أم لا – في عزلة.



****



ما رأيك فيما يقال أن القصيدة ما هي إلا مسار لتأريخ فردي، لحظة انقطاع أو عزلة، أشبه بحلم يراه شخص واحد، ولا يهتم بإطلاع الآخرين عليه؟



كنتُ قد أشرت في الإجابة عن السؤال السابق إلى العزلة عن الجمهور، ولعلّ الحالة الكتابيّة تبدو – ظاهريًا – متناقضة، ولكنّها في العمق خلاف ذلك، فرغم أنها حالة فرديّة قد تكون قصوى غير إدراكيّة أو واعية بحيث تحمل حمولة كبيرة من اللاوعي، تلك المنطقة المعتمة في الأعماق الإنسانيّة. ومع هذا، وبقدر ما هي موغلة في فرديّتها توغل في جماعيّتها، فهي على تماس عميق مع العالم والكون.. المحيط والبشر والحيوات والتاريخ.. الآلام والعذابات والمآسي البشريّة التي تكون الأجدر بالتوثيق كما يقول بورخس ، وليست بحالة منفصلة بقدر ما هي حالة تواصليّة، إذ أنها – الكتابة – تحمل تلك الإشكاليّة المركّبة. الكتابة الحقيقيّة متورطة في التاريخ وإن كانت تنطلق من عزلة كاتبها.

 ****

إلام يسعى الشاعر العربي في تجاوزه حدود الواقع في حداثته؟ وإلى أين يصل في ظل المحددات التي تصنعها آيديولوجيات المجتمع حائلة بينه وبين ما يسعى إليه شعريًا؟ وكيف يرى في تصوّره مرحلة “ما بعد الحداثة” بوصفها نقيضًا تامًا للحداثة وناقدًا لها؟



يحاول الشاعر أو الكاتب العربي اختراق هذه الآيديولوجيّات باتجاه أفق الكتابة الحرّ والمختلف، هكذا دائمًا ما يحدوه الطموح والنزوع: تجاوز المألوف والسائد، تجاوز الأيديولوجيات السياسية والفكرية السائدة والنمطيّة سواء كانت يساريّة أو يمينيّة أو مذهبيّة عقائديّة. الحداثة وما بعد الحداثة مسألة طُرِحت كثير ونوقشت من جوانب مختلفة من قبل مفكّرين عالميين، ولها الصدى العربي. لا أتصوّر أن ما بعد الحداثة نقيض للحداثة، ولكنّها ناقدة لها. وقد تحدّث عنها المفكّر إدوارد سعيد كونها مكملاً للحداثة لا أكثر، ولا تشكّل نقلة نوعيّة، ويجد أنها تقع في شكليّة مفرطة لا إضافة لها في عالم الحداثة الحقيقي المنجز. وفي ظلّ السياقات الغربية ليست لنا علاقة عضويّة بما بعد الحداثة بقدر ما هي علاقة مثقفين، فنحن لم ننجز حتّى الحداثة باستثناء الحداثة الأدبيّة، وأعني بذلك الحداثة بمفهومها الشامل: الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي، والنقاش حول ما بعد الحداثة هو مجرّد نقاش ثقافي اطلاعي أكثر من كونه سياق تاريخي مجتمعي.

 ****

بالنظر إلى التغيرات الحادثة في تقنيات القصيدة العربية بعد مرورها بالكثير من مراحل التجديد – ولا أقول التطور- هل نواجه الآن إشكالية حقيقية بين شعرية النص وفنية النص؟ أو بشكل أقل إشكالية فهم لهذه الثنائية بمقاربتها قليلا بثنائية الجسد والروح؟



التحفّظ على كلمة (التطوّر) جاء في محلّه، فقد ينتكس التجديد على أيدي من لا يعيه بالضحالة والتخلّف التعبيري، وهو في نهاية الأمر مصير الكتابة، ولا يمكن إنجاز شيء إبداعي بدون التجريب والتجديد. أتصوّر أن شعريّة النّص جزء من فنيّته إلا إن كان المقصود بالفنيّة هي التقنية فقط – بعيدًا عن شعريّة النصّ وروحه العميق. ولنتجاوز هذه الثنائية باتجاه أن شعريّة النص وفنيّته المتوفقتين على صعيد اللغة والتعبير هما شيء واحد: النص في سفره نحو الإبداع والتاريخ والأبديّة، وليس بالضرورة أن نقرن المسألة بثنائيّة الجسد والرّوح لأنها ستبعدنا عن الإشكاليّة الفنيّة المطروحة وتقذف بنا إلى ضفاف نقاشات فلسفيّة حيث هناك من الفلاسفة من قال أن البقاء للرّوح والفناء للجسد، وهناك من أشار لفناء الاثنين، وسندخل إلى مشكلات نظريّة فلسفيّة لسنا في سياقها.

 ****

بالحديث عن البناء الفني للقصيدة الحديثة وتمايزها الشديد في أبنيتها بين ما يصطلح عليه بالقصيدة الطويلة وبين المقاطع المكثفة القصيرة، نجد أن قصيدة النثر معادل جيد لحرية البناء الفني طالما أن معمارها يعتمد على اللابنية في مفهومه. لتظهر لنا مفاهيم أخرى كالإختزال وبلاغة الحذف والبياض في مقابل مفاهيم قديمة مثل الصورة المشهدية وسردية الجمل الشعرية وغيرها، هل يمكن القول الآن أن الشعر يتجه للصمت أكثر؟



ليس هنالك مقياس أو معيار للنص في جودته وإبداعه طوله أو قصره. هناك معيار القيمة الإبداعيّة للنّص، ولعلّ مقطعًا واحدًا أفضل من قصيدة طويلة في عمقه التعبيري الشعري والرّوحي، وقد يكتب شاعر قصيدة طويلة لا تختزل في مقاطع كالقصائد ذات النفس الملحمي الطويل. وعن تجربة شخصيّة، فأنا أكتب القصيدة بالنوعين: قصيدة (الهايكو) بالتعبير الياباني السائد عالميًا، وهي القصيدة المكثفة البرقيّة السريعة التي تعبر في لحظة ويتمّ التعبير عنها بكثافة روحيّة، وأكتب أيضًا الطويلة التي تختلط فيها النزوع الملحمي بالحوار المسرحي والنصّ الدرامي – سيما تجاربي الأخيرة بعد عودتي إلى عُمان، وذلك يعتمد على لحظة الكتابة. تلك القصائد مرتبطة بالبيئة الجغرافيّة لعمان، وهي بيئة ملحميّة برأيي. وفي مسألة الحذف والبياض والصورة المشهديّة وسرديّة الجمل الشعريّة وغيرها، فإنها ليست مسألة متقابلة قديمة مع حديثة، فالحذف – على سبيل المثال – موجود لدى فلاسفة وشعراء أصبحوا كلاسيكيين اشتهروا بالتقصّد وتنشيف الجمل وحذف الكثير منها ليستقيم النّصّ بالنسبة إليهم، كما توجد البلاغة المشهديّة السردية لدى شعراء معاصرين بمعيّة بلاغة البياض والحذف. وما يتحكّم بهذا الموضوع مزاج الكاتب ورؤيته الإبداعيّة أينما يجد روحه في نمطٍ تعبيريٍّ ما. التقنيات التعبيريّة ليست في حد ذاتها حاسمة بقدر ما هو المنجز الإبداعي للشاعر والإضافة والموهبة.

****

ما هي وجهة نظرك تجاه الكثير من التنظير حول الإيقاع الداخلي لقصيدة النثر؟ هل هي محاولة لدرء “تهمة” النثرية بشكل أو بآخر؟ ثم، بموازاة الكتابة بطَرْق جديد، هل نحن بحاجة إلى الدفاع دائما عن الشكل والقصدية فيما نكتب؟ أليس فعل الكتابة أكثر قداسة من أن نخضعه لتهم عقلية وإرادات محددة له؟



ليس في الأمر دفع لتهمة وجود الإيقاع من عدمه في قصيدة النثر، ولا يدافع الشاعر عن تهم جزافيّة، ولكنّ قصيدة النثر وبالحديث عن جانبها المشرق رغم وجود جوانب غير إبداعيّة إطلاقًا ولا تضيف شيئًا إلى الشعر في تاريخه، حالها حال القصيدة الخليليّة وقصيدة التفعيلة، فإن لقصيدة النثر بنية وإيقاع داخلي وخارجي، فالكتابة وهي في أقصى نثريتها – ككتابة المقالة والقصّة – لا بدّ من أن تحمل إيقاعًا ما. ولم يكن الشعر العمودي إلا جزءً من الإيقاع، فالخليل بن أحمد – وهو أحد عظماء اللغة – لم يقل أنّ البحور كانت كلّ الإيقاع، بل وجد العروض والأوزان والزحافات تاريخًا للشعر: لموسيقاه وإيقاعاته. للكتابة الحقيقيّة إيقاعها الخاصّ، وقد لا تحمل أوزانَ العموديّة ولا تفعيلات الحرّة، ولكن يجب أن تكون على تماس ووعي مع التاريخ الشعري حاملة في بنيتها ومناخها وجوّها، وهي عناصر لها ولإيقاعها الداخلي لأنها في النهاية ليست بنية مفككة، بل تندرج ضمن مناخ وإيقاع ورؤية شاملة فنيّة إبداعية على صعيد المحتوى والتعاطي مع التاريخ والعالم. ومع التباس لفظة (قداسة) بالنسبة إليّ، إلا أنني أجد أن فعل الكتابة أمرٌ أكثر “خفاءً” وأكثر “جوّانيّـة” حسب التعبير الصوفي، أكثر داخليّة من أن يحدد بمحددات ومعايير خارجة عنها.



****



بحكم أنك من كبار شعراء قصيدة النثر العربية وروادها، هل تجد أن هناك معيارية ما في قصيدة النثر؟ أو بطرح السؤال بشكل مقلوب: هل تفتقد قصيدة النثر إلى المعيارية؟ وبفرض افتقادها لذلك: هل يعد الأمر قيمة مضافة لقصيدة النثر؟



أشرتُ إلى المعياريّة في ردٍّ سابقٍ. تاريخ قصيدة النثر المنجز الإبداعي الحديث يشكّل نوعًا من التراث – معيارًا نسبيًا لمسار هذه القصيدة، والنثر الكلاسيكي العربي وغير العربي يعدّ تراثًا خلاّقًـا لها وخزّانًـا هائلاً من الرؤى والأخيلة يمدّها بنضارة متجددة، فالنثر الكلاسيكي – وأخصّ العربي – قد انتُقِصَ من شأنه أمام الشعر المقفّى الموزون، فالشعر تراثنا الأدبي الأعظم، والمؤشّر الأكبر لذاكرتنا الثقافيّة، في حين أن النثر، وعملاً بهذه الثنائيّة، أساسٌ ثقافيّ ومعين لا ينضب، وتراث للقصِيدة العربيّة الحديثة. ومع هذا فإنه ليست لقصيدة النثر تلك المعايير الصارمة كما وضعتها الناقدة سوزان برنارد في محددات ومقاييس كما قَرَأتها هيَ في الشعر الفرنسي، ونقلها بعض الشعراء العرب كأنسي الحاج في مقدمة كتابه (لن)، إنما هناك تراث نسبي يشكّل معياريّة نسبيّة، فالأفق الإبداعي الحرّ المفتوح على مدارات مختلفة يعدّ الأنسب كما أتصوره لاجتراح إنجاز إبداعي جديد، ولتقييم أطروحات نظريّة حول هذه القصيدة. ومن الملاحظ أنّ قصيدة النثر فلتت من معايير قصيدة النثر الثابتة لتختلط بالفضاء المتموج بأنماط تعبيرية مختلفة، بالصورة المكثفة مع المشهديّة الشاسعة مجاورةً الحالة السينمائية البصريّة التشكيليّة المسرحيّة السرديّة، لتصل بنا إلى نصّ أكثر قدرة على التعبير عن الواقع المحيط المتشظّي والحطام البشري الذي نعيش ونرى ونشاهد. وشخصيًا فإن تجربتي من هذا السياق، وأفضل تقييمها ضمنه بلا تصنيف قطعي صارم ومعايير لإكراه الكتابة عليها.



 ****



بعد الحدث الفجائي الذي مضت عليه مدة في عمان من مظاهر الاحتجاجات وتصاعدها غير المخطط له والذي كان ولا زال عبارة عن ردات فعل، كيف تقرأ – كونك شاعرًا ومثقفًا مسكونًا بإرهاصات الإنسان والمكان – هذا التحول في العقلية الجمعية التي راهنت طويلا على كفاية “السلام” الذي تعيشه؟



هذا الحدث المطلبي الاقتصادي والسياسي مضى عليه عام الآن. أجد أنّه من حقّ المواطنين بكافّة فئاتهم التعبير عن حاجاتهم ومتطلباتهم الماديّة والروحيّة في حدود وإطار القنوات الشرعيّة التي يكفلها النظام الأساسي للدولة، والذي هو في تطوّر مستمرّ خاصّةً على الصّعيد القضائي الذي شهد تطوّرات في الفترة الأخيرة. تلك مسألة حقوقيّة وقانونيّة وإنسانيّة وطنيّة مشروعة لأي مواطن بشرط عدم التوجّه إلى التخريب أو تفجير الأحقاد الغرائزيّة التي نرى انعكاسها الرّهيب الآن في بلدان عربيّة حيث تؤدّي إلى تدمير إنجازات الدّولة، وهنا أفرّق بين الدولة وبين الحكومة، بمعنى أنّ الدولة مكتسب تاريخي حضاري وروحي عظيم، أمّا الحكومة فهي متغيّرة. الدّولة ملكٌ لمجتمع وأمّة وشعب بكلّ أطيافه، وبالضرورة فإن عليها أن تكفل حرّيّات التعبير الثقافيّة والسياسيّة والفكريّة بحيث تكون هذه الحريّات مسؤولة ولا تتعارض مع الثوابت العقائديّة المقدّسة للمجتمع. نحن كوننا أفراد ننادي بالتجديد وندعو إلى الحداثة، ورغم رفض بعض فئات المجتمع فإنه في واقع في شباكها رغمَ أنّه لم ينجزها بل استوردها من الغرب، وهذا الحال العربي بشكل عام وليس العماني وحسب.

****



لا يختلف أحد على قيمة “الصحراء” بعدِّها أيقونة في مشروع سيف الرحبي المستمر. الانطلاق من المكان الجذر في تكوين حالات مشهدية في الكتابة الشعرية بماذا يمكن أن يفسر؟ هل هو فهم مختلف للمكان؟ أم أنه تماهٍ وجودي مع الصوت واللون والإيقاع والمفارقة فيه؟ أم أنه شيء أعمق من أن يفسر؟!



الصحراء أجدها أقرب إليّ فيما عبّرت عنه بالتماهي الوجودي، وليست مجرّد مكان جغرافي أو أيقونة، فهي لم تعد صحراء الرسالات الخالدة الطاهرة، بل خضعت بصورة عامّة إلى صيرورة تدميريّة على يد الحداثات الكسيحة، فظلت هذه المناطق الرماديّة المروّعة تدمّر الثابت القيمي للصحراء من غير أن تولد حداثة حقيقيّة تستطيع الصحراء أن تولد جزءً من منظومتها الحمائيّة المتطوّرة، وقد عبّر عبدالرحمن منيف عن ذلك في أكثر من رواية وكتاب. هي البؤرة الرّمزيّة، إذ أنّ وحدة الصحراء وعذاباتها وصمتها المطبق الرّهيب، والوحشة والضّياع الوجودي في تخومها الرّمليّة تنسحب على العالم أجمع. وكثيرًا ما أسائل في كتاباتي الطبيعة، وقد تجيب وقد لا تفعل، لكن طرح الأسئلة بحد ذاته نوع من التطهّر الأدبي والتوسّل الروحي، والاستنطاق في طابع وجودي هو أكثر ما أكتب، ومذ صدر كتابي الأوّل (الجبل الأخضر) رغم أنّني كتبته على سفح قاسيون بدمشق، وحتّى كتابي الأخير (نسور لقمان الحكيم) أدركت أنّ طبيعة بلادي هي القدر الحتمي بالنسبة إليّ، ومن خلالها تتفرّع رؤيتي وأسئلتي حول العالم أجمع، وهذا ليس محض خيار ثقافي واعي، بل قدر وجودي.



****



كيف تنظر إلى مشروعك الشعري وتجربتك الخاصة بعد سنين الكتابة المستمرة؟ كيف تقرأ فيها تحولاتك الذاتية وانعكاسات الأزمنة والأمكنة؟



حين أنظر إلى تجربتي الشعريّة بين الفترة والأخرى كأنما أنظر إلى المرآة، تتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة إذ تلخص لي أزمان العمر الذي أعيشه وأزمان العمر البشري والتاريخي للعالم. والتقييم الإبداعي لها متروكٌ للقرّاء والنقّاد.

****



كيف ترى المشهد الأدبي والفكري في عمان؟ كيف تراه من الداخل؟ ماذا يميزه؟ وماذا ينقصه؟



المشهد الأدبي والفكري العماني جزء من الهمّ اليومي واللحظي والكتابي ومن طموحاتنا المستقبليّة. الكتابات التي تظهر الآن والتي كانت مجهولة بالنسبة إلينا سابقًا إذ أنها أتت بعد جيلنا بالمعنى الزمني الكتابي دائمًا ما تحمل مفاجآت وتجديد ونزوع إبداعي يؤشّر إلى مستقبل باهر للكتابة والثقافة العمانيّة في كل مناحيها من بحث وقصّة ورواية وشعر وقراءة، وأتمنى أن تواكب هذا الإبداع ومنجزاته فرص من قبل المؤسسات المعنيّة بالنشر الثقافي، وأن تكون حريّة التعبير الأدبي والثقافي والفكري أوسع بجانب المؤسسات التي ترعى المثقف والكاتب في شؤونه العمليّة والحياتيّة ليتفتح على العالم أكثر.. لا لتدمّر حياته اليوميّة والإبداعية، وذلك بأن تعمّق دورها وتستوعب أطراف هذا المشهد لتدفع به إلى واجهةً حضاريّة وثقافيّة وأخلاقيّة لهذا البلد العريق. فقد أبدع أسلافنا إبداعات عظيمة عبر تاريخهم الصعب والقاسي وعبر هذه الجغرافيا المجهولة نسبيًا حتى لأقراننا في العالم العربي. علينا أن نُجلي الغبار عن الثقافات العمانية القديمة والحديثة ليقرأها العالم ويقيّمنا ثقافيًا وروحيًا، فلسنا بملحقات نفطيّة أو مجتمعات نائية ومجهولة. الثقافة هي الدليل المضيء في ليل هذا العالم الدامي والقاسي.

****



أخيرًا: ماذا تقول للشعراء الشباب بعد تجربتك الطويلة في الكتابة والإبداع والخلق؟ هل من تميمة يعلقونها في أعناقهم تقيهم “إشكاليات” الحياة / الكتابة؟




ليست هناك تمائم بقدر ما أن على الكاتب المبدع الطامح للكتابة المختلفة الذي يساهم في تأسيس ذاكرة جديدة أن يسبح في هذه الإشكاليّات ويرتطم بجدار العالم وجدار اللغة كما عبّر عنها يوسف الخال. الحوار بين الأطراف الثقافيّة وأجيالها لا بدّ من أن يكونَ حوارًا مثريًا، وليست النصائح. أنا ضد النصائح والتوجيهات الأبويّة في الأدب ، ومع النقاش والحوار.

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

هَلْ أَتَاكِ حَدِيثُ الْجُرْحِ!!

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح