هبات الحياة الخمس

مارك توين – ترجمة : فاطمة المعمريّة
عن (شذى ونوافذ) – مجموعة الترجمة – جامعة السلطان قابوس

-أ-



مع بزوغ فجر الحياة، جاءت جنيّة صالحة حاملةً معها سلّةً وقالت: “هذه بضع هبات، ولكن كن حذرًا واختر بحكمة. اختر بحكمة، فلا توجد سوى واحدةً منها هي القيّمة”.

كانت العطايا خمسٌ هي الشهرة والحب والغنى والسعادة والموت. قال الشابّ بلهفة:

“ليست هناك من حاجة إلى تقليب الرأي”، ووقع اختياره عن السعادة.

خرج الشابّ للعالم طالبًا أسباب السعادة مما يجد فيه السعادة متعةً وسرورًا، ولكن جميعها كانت قصيرة الأجل ومخيّبة للأمل، ولا معنى لها ولا طائل منها، كما أن كلاًّ منها ذهبت أدراج الرياح وهي تسخر منه. وفي النهاية قال: “لقد ضاعت هذه السنون منّي سدى، فلو سنحت لي الفرصة للاختيار ثانيةً لتوخيت الحكمة في اختياري”.




-ب-



ظهرت الجنية وقالت: “بقيت أربع من العطايا، فاختر مرّةً أخرى، ولكن تذكّر أنّ الوقت يضيع من بين أيدينا، كما أنّ عليك أن تتذكّر أنّ واحدةً منها فحسب لهي الثمينة حقًّا”.

فكّر الرّجل مليًا، ثمّ اختار الحبّ، ولم يلحظ الدموع التي ترقرقت في عينيّ الجنيّة.

وبعد سنين طوال جلس الرجل بجوار كفن في منزلٍ خالٍ محدّثًا نفسه قائلاً:

“لقد رحلوا بعيدًا واحدًا تلو الآخر، تركوني وحيدًا، وها هي آخرهم وأعزّهم على قلبي جاثمةً هنا، فتتالت عليّ صروف الكآبة واحدةً تلو الأخرى، حيث أنّ لكلّ ساعةٍ من سعادة باعها لي التاجر الخائن الذي يسمّي نفسه الحبّ، دفعتُ نظيرها آلاف السّاعات من الحزن والأسى. إنّي لأستترلُ عليهِ لعنةً من أعماق قلبي”.

-ج-



“اختر ثانيةً”. قالتها الجنّية وأضافت: “لقد علمتكَ السّنون الحكمة بلا شكّ، ولا أخالها إلاّ فعلت ذلكَ حقًّا. بقيت أمامكَ ثلاث هباتٍ، وإنّ واحدةً منها فحسب ذات قيمة، تذكّر ذلك واختر بحكمة”.

فكّر الرجل مليًا، ثمّ اختار الشّهرة، ومضت الجنّية في دربها وهي تطلق من صدرها تنهيدةً طويلة.

مرّت السنون، وعادت الجنّيّة ثانيةً، فوقفت خلف الرجل الذي جلس وحيدًا مفكّراً في يومٍ أفل فيه نجمه. كانت تعرف ما يفكّر فيه، حيث كان لسان حاله يقول: “غمر اسمي العالم، وكان الثناء عليه على كلّ لسان. بدا ذلك رائعًا بالنّسبة لي لفترةٍ من الزمن، ولكن كم كانت قصيرةً تلك الفترة! فقد جاء الحسد وما لبث أن تلاه الانتقاص متبوعًا بالافتراء، ثمّ الكراهية، ثمّ الاضطهاد، ثمّ السّخرية، حيث كانت بداية النهاية. ثمّ وأخيرًا قدمت الشفقة كجنازة للشهرة. يا ويلتي إنها مرارة وشقاء هذه الشهرة، ففي بزوغ نجمها تجعل من المرء علكة في أفواه الحاقدين، وبعد اضمحلالها تحيله أضحيةً في مراجل الاحتقار والشّفقة.

-د-



جاء صوت الجنّيّة قائلا: “اختر مرّةً أخرى. لم تبق سوى هبتان، ثمّ تتلاشيا. فمنذ البداية كانت هناك واحدة فقط ذات قيمة، وما تزال موجودةً”.

فقال الرجل: “الغنى، وهو مصدر القوّة. كم كنت أعمى. والآن أخيرًا سوف تصبح الحياة أهلاً للعيش فيها. سأنفق وسأبذر وسأبهر الأبصار. وسيزحف هؤلاء الشامتون والمحتقرون في القذارة أمامي. كما سأشبع قلبي المتعطّش بحسهم. سأمتلك كل وسائل الرفاهية والمتعة، وكلّ افتتان للروح، وكلّ رضاء للبدن مما يعدّه الإنسان عزيزًا. سأشتري وأشتري وأشتري. سأشتري الإذعان والاحترام والإجلال والسّيادة، كما سأشتري كلّ فضيلة رخيصة للحياة يمكن لسوق العالم التافهة توفيرها من الآن فصاعداً. لقد أضعت الكثير من الوقت حيث أسأت الاختيار، ولكن ما فات مات، فقد كنت جاهلاً حينها، ولم يكن بمقدوري إلا أن آخذ ما بدا لي جيّدًا في ذلك الوقت”.

مرّت ثلاث سنوات كلمح البصر، وجاء يومٌ جلس في الرّجل مرتعشًا في عليّة قذرة. كان هزيلاً شاحبًا ذا عينين مقوّرتين، ترتديه خرق بالية. كان يقضم كسرة من خبز، ويتمتم قائلاً: “اللعنة على كلّ هبات العالم! ما هي إلا زيفٌ وخداع. ليس هناك من هبات، وإنما هي بالكاد قروض، فالسعادة والحب والشهرة والغنى إنّما هي ملابس تنكّريّة مؤقّتة لحقائق دائمة ألا وهي الألم والأسى والخزي والفقر. لقد صدقت الجنّيّة أن في كلّ ما لديها هناك هبة واحدة فقط لهي الثمينة حقًا. كما أعلم الآن أن تلك الهبات الأخرى حقيرة ورخيصة وشحيحة مقارنةً بتلك الواحدة التي لا تُقدّر بثمن، تلك العزيزة الطيّبة، تلك التي تنتقع الآلام التي تجهد البدن بنومٍ طويلٍ لا يعرف الأحلام، كما تتشرّب الخزي والأسى اللّذيْن يأكلان العقل والقلب. أحضريها، فإنني مرهقٌ حقًا، وأريد أن أرتاح”.

-هـ-



جاءت الجنّيّة محضِرة مرّة أخرى أربعًا من الهبات، ولكنّ الموت على عجلةٍ من أمره، فقالت الجنيّة: “لقد أعطيتها لطفلٍ صغيرٍ على الرّغم من أنّه كان جاهلاً، إلا أنّه وثق بي، وطلب منّي أن أختار له، في حين لم تسألني أنت فعل ذلك لك”.

- واحسرتاه.. يا لشقائي، فماذا بقي لي؟

- لكَ ما لست حتّى تستحقّه.. هاك إذلال الشّيخوخة.

تعليقات

إقرأ أيضا

الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي

دوائر الصمـت

هَلْ أَتَاكِ حَدِيثُ الْجُرْحِ!!

عبد العزيز العميري في حوار مع صراح